و لقد نصحتك إن قبلت فأحمد ... زين الثقاة وسيد الفتيان
من ذا أقام ما أقام إمامنا ...
إلى أن قال:
حمدا لربي إذ هداني لدينه ... وعلى طريقة أحمد أنشاني
واختار مذهب أحمد لي مذهبا ... من لأواء الهوى والغي قد أنجاني
فالحاصل أنه من الذين صبروا على هذه الفتنة، وصابروا فيها إلى أن أظهره الله تعالى.
ففي عهد المعتصم لقي أذى، ولقي عذابا، وضرب وحبس، وبقي في الحبس مدة طويلة، وكان يتورع أن يأكل شيئا من طعامهم، ويبقى يوما وثلاثة أيام لا يطعم، حتى يأتيه أحد أولاده بشيء من الخبز، الذي من بيته، والذي عرف مدخله، ولما مات المعتصم بعد ثمان سنين، وانتقلت الخلافة إلى ابنه الواثق، خفف الفتنة، وخفف الابتلاء، ولكن لم يزل أهل السنة يخافون على إظهارها، ويستخفون في معتقدهم ثم بعد موته تولى ولده المتوكل، ولما تولى نصر السنة، وقرب الإمام أحمد، ورخص له أن يصدع بمذهبه، وأصبح بما كان يعتقده أهل السنة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبقي كذلك إلى أن توفي الإمام أحمد -رحمه الله- في سنة إحدى وأربعين ومائتين، والأمر هادئ بقية ذلك القرن، السنة فيها ظاهرة، ولكن لأهل البدع قوة، ولهم تمكن، وبالأخص المعتزلة، وكان المعتزلة في ذلك الزمان من أقوى أهل ذلك الزمان حججا عقلية، وكانوا يأتون بالشبهات العقلية، ويشوهون بها على الناس، ويشوشون بها، وغسلوا أدمغة كثير من أهل العلم من