وفي أثناء ذلك كان يسر في أذن هذا بهمسة تشيع الفرحة العميقة في نفسه ويرمق هذا بنظرة يحتال هو حتى يجعلها تشعر المرموق بها بأنه بين يدي أب حنون عطوف، ويربت على كتف آخر، وقد تفجرت على شفتيه ابتسامة أودع الرياء فيها خبث مكره ودهائه. وهكذا لا يبقى في المجلس إنسان إلا ويشعر بأنه مهوى عطف عبدالبهاء واحترامه.
ثم زادوا، فأبدعوا لعبدالبهاء رواية يمثلها في كل يوم جمعة. رواية تخلب العاطفة بمظهرها الإنساني الرحيم.
يجمعون على بابه عشرات البائسين من الرجال والنساء اللاتي يحملن على أكتافهن الأيتام، وفي قلوبهن الفواجع، ويظل هؤلاء ساعات وعيونهم شاخصة إلى باب القصر الضخم الذي سيظهر منه المولى عبدالبهاء؛ ليمنح الجميع صدقاته وبركاته. وعندما يوقن عبدالبهاء أن مشهد هؤلاء الذين ينتظرونه قد استرعى انتباه الناس يبرز متخطرًا في ثيابه الموشاة الساحرة العاطرة، ثم يسير بين صفين من هؤلاء في خطى تترنم، فيعطى هذا وذاك من صدقاته، أو يقف عند عجوز علمتها المسكنة كيف يكون ذل الضراعة، فتجثو باكية على قدميه، متشبثة بردائه، فيحنو عليها داعيا مواسيا، أو يقف عند طفل حملته أمه، فيمسح وجهه بكفه الرخصة الناعمة المعطرة ثم يسأل عن الذين تخلفوا ممن كانوا يشهدون من قبل مثل هذا اليوم. كل هذه المشاهد التي ترف برقة الإنسانية، وكرم عاطفتها، يؤديها ممثل بارع لماع الذكاء ذو وجه يشع منه وضح جمال، وتقبع تحت أهدابه الوُطْف عينان ماكرتان ساحرتان تعرفان كيف تغازلان العاطفة، ولا ريب في أن سحر هذه المشاهد يوحى إلى بعض الناس بأن هذا السراب واحة وريفة الظل، ثرة الينابيع. وقد آتى هذا الرياء ثمره، فأجَّ صيت عبدالبهاء معطرًا بالأمداح الثناء.
وما كانت النبوة التي تجل كرامة الآدمية لترضي أبدًا بمثل هذا الامتهان على مدرجة الطريق لإنسانية مستضعفة. لم تكن لترضى أبدًا أن ينتظرها الأرامل والأيامى واليتامى والعجزة على قارعة الطريق، وهم ينأدون تحت وطأة الذل ساعات مترقبين صدقة المن والأذى والمهانة، صدقة يشهد التاريخ أنها أفلاذ أكباد الشعوب. وأنها ما زالت تفوح منها رائحة الدم المسفوح.
لقد عاش بعض فقرا المهاجرين في صفة من مسجد المدينة، وكان إخوانهم يحملون إليهم رزق الله في مقرهم الكريم. ولم يقف هؤلاء المهاجرون على باب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على مدارج الطرق يترقبون صدقاته، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرضى بمثل هذا الامتهان الذي يحقر من آدميتهم التي كرمها الله في قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الإسراء: