كان من أولي العزم والشدة كذلك في أمره الذي ينهيه عن المنكر ثانيًا
وكان رحمة في حكمه وعدله بقولة: (( لقد جئت شيئًا نكرا ) )فقد كان بشرًا حينها والعبد في مقابلته رسولًا خاصًا وكلًا منهما كانا يمتثلان لأمر الله في نشر حكمة وعدله وإقامة عمود رحمته على عباده والله أعلم
ثالثًا: إقامة الجدار
قال تعالى في سورة الكهف الآية (77) (( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبو أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) )
قبل أن نخوض في أمر موسى عليه السلام وعبد الله فيما اتفقا عليه وقد وصلا إلى هذه القرية التي ذكرتها الآية الكريمة فأشكل اتفاقهما بإقامة الجدار فإننا نقرأ:
أولا: أمرًا أخر كان في غاية العجب أوجزت وصفه ولخصت معانية كلمتان خفيفتان ولكنهما ثقيلتان فيما رمتاإلية بجملة من الخصال ذات الاهداف البعيدة في طريق الإيمان وهاتان الكلمتان هما:
(( استطعما .. و فأبوا .. ) )
لقد كان في علم (عبدالله) أن يصل إلى هذه القرية كما كان في الرسالة التي يحملها وأهلها كما هم في معيشتهم وطباعهم وخصالهم والنبي موسى يصاحبه يسمع ويرى في بادئ الامر طلبًا منهم طعامًا وأي طعام مهما كان نوعه فالغاية القريبة أن يكون طعامًا لسد الرمق وكفاية الجوع فمنذ بدء الرحلة والطعام قد نفذ منهم كما روت الآية باتخاذ الحوث طريقة إلى البحر سربا وكان هذا سببًا أوليًا ومباشرًا لطالب الطعام من هذه الحاضرة وأما الغاية الكبرى والبعيدة هو استكشاف خصال أهل هذه القرية وقد حصلوا أو وصلوا إليها وذلك بغلق الابواب في وجوههم وعدم الاستجابة لطلبهم من الطعام فكلمة (فأبوا) تعطي وتدل على الرفض للطلب أما بسبب خصلة البخل الشديد أو بسبب كراهيتهم وخوفهم من الغرباء والله أعلم.
إن عبد الله لم يقف حانقًا غاضبًا من أهل القرية عندما رفضوا ضيافتهم فهو في حالته (والله أعلم) لم يكن ليأكل طعام البشر أبدًا وذلك لجهلنا بتكوين خلقه أهو ملاك أم غير ذلك فالموضوع يتصل مباشرة بالنبي موسى عليه السلام فهو المعني بما يرى ويسمع وهنا وبهذه الساعة الحرجه يدخل طرفًا ثالثًا غريبًا بين الفريقين ألا وهو (الجدار) فأصبح الأمر أكثر عجبا وأكثر غموضًا.