عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فيُنفِق مما أعطاه الله )) ؛ رواه البخاري (1355) ، فأعطِ السائل وأَحسِن النية، فإن لم تُعْطِه، فالجواب بلطف قد يقوم مقامَ العطاء، وكما قيل: فليُسعِد النُّطق إن لم يُسعِد المال، وتأمَّل معي في حديث الأعرابي عن أنس - رضي الله عنه - قال:"كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُرْد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه الأعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عاتِقِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أثَّرتْ بها حاشية الرداء من شدة جبْذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، وهذه الرواية في الصحيحين، وفي رواية أخرى:"لا من مال أبيك، قال: فالتفت إليه، فضَحِك - صلى الله عليه وسلم - ثم أمر له بعطاء"، ورُوي عن النبي مرسلًا عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه: (( أَعْطُوا السَّائل وإن جاء على فَرَسٍ ) ) [1] ، قال ابن عبدالبر - رحمه الله:"لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافًا بين رواة مالك، وليس في هذا اللفظ مُسنَد يُحتَج به فيما علِمتُ" [2] ."
وروي في الأثر:"لا يَمنعنَّ أحدُكم السائلَ، وأن يُعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قُلبين من ذهب" [3] ، والقُلب: هو السوار، وقد حُكي أن عمر بن عبدالعزيز بعث مالًا يُفرَّق بالرقة، فقال له الذي بعث معه: يا أمير المؤمنين، تبعثني إلى قوم لا أعرفهم، وفيهم غني وفقير، فقال: كل مَن مدَّ يده إليك فأعطِه [4] ، قال ابن عثيمين: لكن هذا العموم يَدخُله التخصيص؛ إذا عرفت أن السائل في العلم إنما يُريد التعنُّتَ، وأخذ رأيك وأخذ رأي فلان وفلان، حتى يضرب آراء العلماء بعضها ببعض، فإذا علِمتَ ذلك فهنا لك الحق أن تنهره، وأن تقول: يا فلان، اتقِ الله، ألم تسأل فلانًا كيف تسألني بعدما سألته؟! أتلعب بدين الله؟! أتريد إن أفتاك الناسُ بما تحب سكتَّ، وإن أفتوك بما لا تحب ذهبتَ تسأل؟! هذا لا بأس؛ لأن هذا النهر تأديب له، وكذلك سائل المال إذا علِمتَ أن الذي سألك المال غنيٌّ فلك الحق أن تَنهَره، ولك الحق أيضًا أن تُوبِّخه على سؤاله
(1) "الموطأ" (5: 1450) .
(2) "التمهيد" (5: 294) .
(3) "الموطأ" (5: 1450) .
(4) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك.