الصفحة 30 من 45

لكن لا يجِب الخلط بيْن ما هو إبستيمولوجي وتاريخي، ليس لأنَّ المؤرخين ليسوا"بمرضى الحدث المنفرد"، وكونهم يهتمون بما هو عادي ومكرَّر وماضوي ومتَّسم بالديمومة، بل بقدْر ما هم يستغلُّون المفاهيم لتعميمها، وأيضًا وخاصَّة مِن أجل تخصيصها. (Moniot)

الفِكر الواضع للمفاهيم يشتغل في منحيين، وذلك على مستوى القِراءة التي نقوم بها للواقع الملاحظ، وحسبَ درجة الخصوصية والعموميَّة التي نعتمدها وننطلق منها - يقول Henri Moniot:"نتعرَّف ونحن نصِف، ونستطيع الملاحظة ونحن نرتِّب، إنَّها لعبة المفهوم المعهودة: نختار وجهةَ نظر نرتكز عليها، والتي من خلالها نمحو الاختلافاتِ لبعض المواضيع، لبعضِ الكائنات التي نَراها غير ذات أهميَّة، وا?خْذ بالنقط المشترَكة فيما ونضعها مرتَّبة."

ج- المفهمة حاضرة على طولِ مسار الفِكر التاريخي:

إنَّ المفهمة تخترق مسار الفِكر التاريخي مِن بدايته إلى نهايته، سواء اشتغَل المؤرِّخ بمفاهيم أصيلة مِن داخل حقْل التاريخ أو بمفاهيم مستوردة مِن حقول معرفية أخرى، فهو مطالَب بأن يُعطيَها بُعدها التاريخي؛ أي: الانتقال مِن العموميَّة إلى التخصيص تفاديًا لما يُسمَّى بإسقاطاتِ الحاضر على الماضي واختراق لخصوصية الواقِع التاريخي المدروس.

هكذا تبقى المفاهيم أدوات ضرورية للعمل التاريخي لعدة اعتبارات:

توجيه المشروع: وتأطير الموضوع المختار للدِّراسة، لكن أيضًا تُعطي للمؤرِّخ إمكانيةَ وضع تساؤلاته التي تُتيح له قيادةَ وجهة ملاحظاته، وأسئلته (La ville et Dionne) .

إنَّ بعض النماذج أو المفاهيم يستخدِمُها المؤرِّخ كأدوات للتفسير الخاضِع للتيقن منها تجريبيًّا، فوضع النموذج يُتيح المواجهةَ بيْن"الموضوع المنظور، لكنَّه معقَّد"، و"الموضوع اللامرئي لكن بسيط"، وهي تؤسّس في هذه المواجهة جسرًا بيْن اللُّغة التنظيريَّة والمعطيات التجريبيَّة، بيْن الخاص والعام (le petit cite dans leduc) .

المفاهيم تعْمل داخل شَبكة تسمح لها بتعدُّد طُرق البحْث وزوايا المقاربات، بقدْر ما يمتلك المؤرِّخ ترسانة مفاهيم حولَ مادته بقدْر ما تزداد تساؤلاته عدادًا وتشعبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت