الصفحة 27 من 45

يقوم المؤرِّخ بالعملية الاستدلالية خلالَ المراحل الثلاث لعمله التاريخي:

-مرحلة التقديم: إنَّ الخاصية الاستدلاليَّة للتاريخ تظْهَر منذ بداية العمل التاريخي؛ إذ هنا يقدم المؤرِّخ إشكاليته كنتيجةٍ بقدر ما تكون نُقطةَ بداية بحثه.

مرحلة العرض: تعدُّد الأساليب الاستدلالية:

يمتاز التاريخ الإشكالي باستقلالية ذاتيَّة، مقارنةً بالتاريخ السردي أو المصدري، فالمؤرِّخ لا يَكتفي بتفسير الأحداث عندَ سردها، بل يجعل مِن التفسير ممارسةً نوعية تؤطِّرها إشكالية محدَّدة خاضعة لسِياق التوثيق والتعليل ضمنَ وضْع واقعي يحتمل الاعتراض، والمؤرِّخ يشبه القاضي؛ إذ يحاول دائمًا أن يبرهِنَ على أنَّ هذا التفسير أفضلُ مِن الآخر اعتمادًا على الدليل الوثائقي.

إنَّ اعتماد المؤرخ على الوثائق أمرٌ ضروري، فهي تسْمَح له بالاستدلال والدِّفاع عنه بالحُجج التي تُثبت مطابقةَ تعليلاتها للواقِع وحقيقة الماضي المدروس.

إنَّ إفاداتِ المراجع والمصادر تسْمح بالتحقُّق مِن إثباتات المؤرِّخ؛ بمعنى: أنها تُعطي لخطابه دلالةً علميةً ومعرفيةً واضحةً، خاصَّة عند توظيفه للعتاد الكمِّي (الجداول الإحصائية، والرسوم البيانية، والخرائط ... ) ، الذي يَزيد من مصداقية نصِّه.

واليوم أصبحتْ عملية فرْز أحداث هذه الوثائق الكميَّة تتمُّ بالاستعانة بالوسائل التقنية المزوَّدة ببرامج وظيفية تسهِّل عمله، فالمؤرخ لا يكترث بما يُقال عن مدَى ملاءمة الوثيقة للموضوع وجب تصديقها أو لا، بل على ما تحتويه الوثيقة مِن دَلالات تتعلق بالإشكال المثار.

هذه المقاربة تؤدِّي إلى مشاركة الدليل الإثباتي للدليل الوثائقي، ولعلَّ هذا مِن شأنه أن يسْمح للمؤرِّخ بتجاوز الوثيقة بالوثيقة، وموافقة الشهادة بشهادةٍ أخرى لها نفس القيمة أو مكمِّلة لها، كما أنَّ الاستدلال يسمح للمؤرِّخ باستنطاق الوثائِق وتفسير بعضِها لبعض، كما يُمكنه من شرْح الوثائق عن طريقِ التقدير الاستقرائي المناسِب، والذي بفضْله يستطيع المؤرخ ملءَ الثغرات التي تتخلَّل توثيقه، هذا الملء يتمُّ بواسطة أنواع مختلفة من الاستدلال:

-الاستدلال بالقياس (المماثلة) الذي يَسْمح للمؤرِّخ بالإحاطة الشمولية للحدَث عن طريق المقارنة بأحداثٍ أخرى متشابهةٍ معروفة أكثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت