إنَّ محاولة تأطير الزَّمَن تطرح مشكل التحقيب؛ فما المقاييس المعتمدة والمتبنَّاة لتحديدِ بداية ونهاية الحِقبة التاريخية؟ وهذا يُثير مسألة مدى القطيعة والاستمرارية التي تطبع كلَّ حِقبة، ولْنتحرَّر قليلًا مِن أصفاد التاريخ السردي، ولنغصْ في أعماق التاريخ الإشكالي الذي لا يَروي الأحداث بشكل تفصيلي، بل على العكس فهو يفجِّر التزامن لإظهار تعدُّد وتنوُّع وثيرة التطور، وقد شبهه"أنطوان بروست"بالمرشد السياحي الذي يقدِّم للسيَّاح تاريخَ مدينة في شكل مقتضب؛ إذ إنَّه يجمل أحداث قرن أو سَنة في صفحة، وهكذا فالسرد التاريخي يتضمَّن إظهارًا وتوضيحات عكس الصورة التي تستلزم التوقفَ لعرْضها في إطارها العام.
-أما المسار الاستدلالي للوحة: فهو الذي يُبنَى من خلال فَهم المؤرِّخ للأحداث وَفق الطريقة التزامنية، فاللوحة لا تركِّز على معالجة التغيُّر فقط، وإنَّما أيضًا دراسة خصوصيات الموضوع، وما يحقِّق الوحدة.
فالصورة تربط بينهما عن طريق تناول الأحْداث المعاصِرة في شكل كتلة متماسكة، فالتاريخ الإشكالي يمتاز بتحليله للعَلاقات والروابط الموجودة بيْن مكوِّنات الكُنْه التاريخي لاستيعابِ مفهوم الوحدة.
فالمؤرِّخ مثل الرسَّام يرتكز - ومنذ البداية - على الدَّور السائد لفاعِل أو مجموعة أحداث وَفق وضعية محدَّدة، فإذا أردْنا تركيبًا لصورة فرنسا قُبيل ثورة 1789، نجِد أنَّ المؤرخ بإمكانه جعْل الإشكال الاجتماعي محورًا مركزيًّا يربطه بجوانبَ أخرى (السياسة، والاقتصاد، وحالة التفكير، وروح العمل ... ) .
-والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نستدل؟
إنَّ اعتماد الاستدلال لدَى المؤرخ إلزامي؛ لأنَّه بواسطته سيحقِّق فَهمًا واسعًا لموضوع بحثه، فهو ليس مجرَّد تمحيص دقيق للوثائق، بل إنَّه نتيجة لما يعتمد مِن وثائق أثناء البحْث؛ أي تجاوز لنفس هذه الوثائق عندَ مرحلة التركيب.
وهنا نطرح السؤال التالي: هل يلجأ المؤرِّخُ لمختلف العمليَّات الاستدلاليَّة مِن أجْل إقناع القارئ بحُجَّة تفكيره؟
التركيب كتأويلٍ مقنع، فانطلاقًا مِن المعطيات المجزأة يحاول المؤرخُ إيجادَ تفسير للإشكال المطروح، فهو يكون تأويلًا مستساغًا؛ لأنَّه يُبنَى على قرائن تمَّ التوصُّل إليها مِن خلال الاستدلال الذي استمدَّ مِن الوثيقة، وأيضًا عن طريق التفكير المنطقي، ومِن أجْل إشراك الآخرين في نتائج بحثِه يعمد المؤرِّخ إلى تبنِّي خِطاب يساعد القارئَ على تقوية قابليته وتأثُّره ومشاركته.
متى وكيف نبرهن؟