-وفيه ردّ لقول من قال بالاستظهار؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلي؛ ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها.
5)الخامسة قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} أي هو شيء تتأذّى به المرأة وغيرها أي برائحة دمِ الحيض. والأذى كناية عن القَذَر على الجملة وقوله تعالى:
{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} [النساء: 102] وسيأتي.
6)السادسة استدل مَن منع وطء المستحاضة بسيلان دمِ الاستحاضة؛ فقالوا: كلُّ دم فهو أذًى؛ يجب غَسلُه من الثوب والبدن؛ فلا فرق في المباشرة بين دمِ الحيضِ والاستحاضة لأنه كلَّه رجس. وأما الصلاة فرُخْصة وردت بها السُّنّة كما يصلَّى بسلس البول، هذا قول إبراهيم النخعيّ وسليمان بن يسار والحكم بن عُيينة وعامر الشَّعْبيّ وابن سيرين والزهريّ. واختُلف فيه عن الحسن، وهو قول عائشة: لا يأتيها زوجُها؛ وبه قال ابن عُلَيّة والمغيرةُ بن عبد الرحمن، وكان من أعلى أصحاب مالك، وأبو مصعب، وبه كان يُفتى. وقال جمهور العلماء: المستحاضة تصوم وتُصلِّي وتطوف وتقرأ، ويأتيها زوجها. قال مالك: أَمْر أهل الفقه والعلم على هذا، وإن كان دمها كثيرًا؛ رواه عنه ابن وهب. وكان أحمد يقول: أَحَبُّ إليّ ألاّ يطأها إلاَّ أن يطول ذلك بها. وعن ابن عباس في المستحاضة: لا بأس أن يصيبها زوجُها وإن كان الدم يسيل على عقبيها. وقال مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة"فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهي تصلِّي! قال ابن عبد البر: لما حكم الله عزّ وجلّ في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاةَ وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألاّ يُحكَم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غَسله كسائر الدماء.
7)السابعة قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} أي في زمن الحيض، إن حملت المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصودُ هذا النهي تركُ المجامعة. وقال مالك والشافعيّ والأُوزاعيّ وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعةٌ عظيمة من العلماء: له منها ما فوق الإزار؛"لقوله عليه السلام للسائل حين سأله: ما يَحِلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: «لِتشدّ عليها إزارَها ثم شأنَكَ بأعلاها» "وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت:"شُدّي على نفسِك إزارَكِ ثم عودي"