الصفحة 20 من 27

الانشغال بأحوال الأمة والسهر على خدمتها:

أهل الهمة لا ينغلقون أو يتمركزون حول أنفسهم، كما أنهم أكثر انشغالًا بأحوال المسلمين ولديهم حرص كبير ورغبة دائمة في معالجة أي خلل يظهر في أحوالهم، فيسعون دومًا في نصرتهم وكف الأذى عنهم ورفع الظلم الواقع عليهم ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم [1] وكيف لا وقد قال تعالى"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" [التوبة: 71] وقد قال صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) [2] فلا يكاد يكون هناك مؤمن في موضع حاجة إلا وكان أقرب الناس إليه أعلاهم همة، ومن أمثال أصحاب الهمم الذين انشغلوا بأحوال المسلمين وكانت همتهم عالية في العمل على مصالحهم والتداعي لأحوالهم، أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى والذي كان قد فرغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه وصل يومه بليلته. أي: أنه كان إذا دخل عليه الليل ولم يكف النهار لقضاء حاجات الناس يصل الليل بالنهار؛ سهرًا في قضاء حاجات المسلمين [3] ، وفي ترجمة عبد الله بن عثمان عبدان شيخ البخاري أنه قال: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي، فإن تم وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان وهو دليل على شدة الاهتمام بأحوال المسلمين [4] ، وهي فضائل تذكر لأهل الهمم العالية وتنسب إليهم، ولذا فقد قيل:"ذو الهمة وإن حط نفسه تأبى إلا العلو، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعًا" [5] .

أصحاب الهمم ينسب لهم كل نجاح مر على الإنسانية:

ينسب لأصحاب الهمم على مر التاريخ الإنساني كل نجاح وتطور طال مناحي الحياة في كافة جوانبها والشواهد في ذلك لا تعد ولا تحصى، والنجاح والتوفيق والهمة في الأصل محبة من الله، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا استعْمَلَهُ قبلَ موتِهِ قيلَ وما استعملَهُ قال يفتَحُ له عملًا صالِحًا بينَ يدَيْ مَوْتِهُ حتى يَرْضَى عنه مَنْ حولَهُ [6] "،وعن عبد الله بن عكيم، قال: خطبنا أبو بكر الصديق، فقال:"اعملوا عباد الله، إنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن"

(1) - محمد بن إبراهيم الحمد- عقيدة أهل السنة والجماعة مفهومها، خصائص هاد دار ابن خزيمة، ط 2 - (ص 86)

(2) أ-خرجه البخاري (2446) ومسلم (2585)

(3) - ابن طيفور - بلاغات النساء - مطبعة مدرسة والدة عباس الأول القاهرة -ط 1908 (ص:74)

(4) - الآداب الشرعية والمنح المرعيةبن مفلح بن محمد المقدسي-عالم الكتب (ج 2/ 180)

(5) - الراغب الأصبهاني: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء (1/ 522)

(6) - أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 217) وقال رجاله أحمد والبزار رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (304)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت