هذا الباب، وقدموا صورًا جميلة رسموا بها - امتدادًا لمن سبقهم - هذا الميثاق العظيم، وهذا التشريع الرباني الكريم، فنسأل الله - عز وجل - أن يكون لسان حالهم ومقالهم كما قال أسلافهم - وأنا على يقين منه فهم من تعلمنا منهم ذلك: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِم يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (10) } .
إن سواعد الإخاء الذي يعرض لمحات من سيرة وحياة ومشاريع هؤلاء العلماء والدعاة مجتمعين- والتي ينبغي أن يستفاد منها - في الوقت الذي يشهد فيه المسلمون النكبات والويلات، التي تعصر قلوبهم، وتمزق أفئدتهم، وتفرق صفوفهم، و تكاد تذهب بريحهم؛ ليدل دلالة أكيدة على أنه لابد لكل هذا أن ينجلي، وأن يذهب وينمحي، وأن تشرق شمس الحق من جديد ساطعة ناصعة مضيئة خفاقة عالية، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} ، وإن رغمت أنوف أهل الباطل والتخاريف، وأبت نفوس أهل المكر والكيد والأراجيف، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ، {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون} .
كما أكد سواعد الإخاء بصورة أو بأخرى على حقيقة أن القوة ثمرة طيبة من ثمار الألفة والوحدة والمحبة والأخوة الإسلامية، فكلما عمل المجتمع الإسلامي على هذه الصفات وبذلوا الوسع في تحصيلها، نالوا من القوة بقدر ذلك. والعكس صحيح.
إن سواعد الإخاء تقرر حلقاته وتكشف كشفًا، وتوضح وتبين بيانًا مفصلًا، المعاني التربوية، والثمرات المكتسبة دينًا ودنيا من الأخوة والحب في الله - عز وجل - كما أنها تقرب بوضوح المراد منها، وتدفع عنها ما قد يشاع عنها بين الحين والأخر، والفينة والأخرى، من قبل المغرضين والأفاكين، وتطرح الاحتمالات المتعددة لها، وتفسر المجمل منها. وكل ذلك مضبوط بضوابط وقواعد الشرع الكريم؛ لتتضح المحجة وتقوم بها الحجة، على أهل الأخوة والحب في الله - عز وجل.