ويأتي السؤال لماذا وكيف وصل هؤلاء إلى ما يسمى بوحدة الأديان؟
والاجابة باختصار أنهم خلطوا ما بين أن الوجود يسع سائر المعتقدات وما بين صحة هذه المعتقدات فقالوا إن وجودها دليلا على صحتها وهذا أمر معلوم بطلانه عقلا فليس كل ما هو موجود يكون صحيحا.
بل الصحيح أنه إذا كان الوجود يسع لكل المعتقدات فإنه لا يسع لتحققها كلها بل إنه لا يسع الا لتحقق الحق منها كما يقول الإمام ابن تيمية:
"-أنهم- عطلوا الصانع والرسالة والحقائق كلها وجعلوا الحقائق بحسب ما يكشف للإنسان ولم يجعلوا للحقائق في أنفسها حقائق تتحقق به يكون ثابتا وبنقيضه منتفيا؛ بل هذا عندهم يفيده الإطلاق: ألا تقف مع معتقد بل تعتقد جميع ما اعتقده الناس فإن كانت أقوالا متناقضة فإن الوجود يسع هذا كله ووحدة الوجود تسع هذا كله. ومعلوم أن الوجود إنما يسع وجود هذه الاعتقادات لا يسع تحقق المعتقدات في أنفسها وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء فإن الاعتقاد الباطل. والقول الكاذب: هو موجود داخل في الوجود لكن هذا لا يقتضي أن يكون حقا وصدقا فإن الحق والصدق إذا أطلق على الأقوال الخبرية لا يراد به مجرد وجودها؛ فإن هذا أمر معلوم بالحس وعلى هذا التقدير فكلها حق وصدق [1] ..."
وهؤلاء لا يميزون بين الحق والباطل بين الحق الموجود الذي ينبغي اعتقاده والباطل المعدوم الذي ينبغي نفيه في الخبر عنهما ولا بين الحق المقصود الذي ينبغي اعتماده والباطل الذي ينبغي اجتنابه بل يقصدون ما هووه وأمكنهم منهما. وأصدق الحق الموجود: ما أخبر الله بوجوده والخبر الحق المقصود ما أمر الله به؛ وإن شئت قلت أصدق خبر عن الحق الموجود خبر الله وخير أمر بالحق المقصود أمر الله والإيمان يجمع هذين الأصلين: تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. وإذا قرن بينهما قيل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} والعمل خير من القول كما قال الحسن
(1) [تعليق معد الكتاب للشاملة] [ولا ريب أن الحق نوعان: حق موجود وبه يتعلق الخبر الصادق وحق مقصود: وبه يتعلق الأمر الحكيم والعمل الصالح
وضد الحق: الباطل ومن الباطل الثاني قول النبي صلى الله عليه وسلم {كل لهو يلهو الرجل به فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق} والحق الموجود إذا أخبر عنه بخلافه كان كذبا]