لعنعنة غير المدلس على مذهب جمهور المحدثين، قال الشيخ الحافظ أبو العلا المباركفوري:"فإن قلتَ كيف حسن الترمذي الحديث مع أنه قد نقل عن الامام البخاري أنه قال لا أعرف لمجاهد سماعا من أم هانئ؟ قلت: لعله حسنه على مذهب جمهور المحدثين فإنهم قالوا إن عنعنة غير المدلس محمولة على السماع إذا كان اللقاء ممكنا وإن لم يعرف السماع والله تعالى أعلم." [1]
ويمكن أن يقال أيضا: إن صنيع الترمذي رحمه الله تعالى بالحكم على الحديث بالحسن في أحد الموضعين وتعليله في الموضع الآخر دليل على تشكيكه في الإسناد والتردد فيه، فإن هذا من صنيعه -رحمه الله تعالى- في جامعه، كيف وقد نقل العلة عن شيخه البخاري، فالحكم على صنيعه بكونه أراد تمشية لعنعنة غير المدلس أمرٌ فيه نظر والله أعلم؛ وكل من احتج بالحديث كان تعليله ما ذكره المباركفوري رحمه الله تعالى من تجويز سماع غير المدلس ممن روى عنه من غير تصريح للسماع مع إمكانية اللقاء، ولهذا تجد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يحسنه كما في الفتح عند باب التلبيد رقم الحديث (5568) ومشى على هذا غير واحد، ولكن المتعارف على أن هذا الأمر راجع إلى عدم تنصيص الأئمة على رواية الراوي بالعنعنة عمن يحتمل أن يسمع منه، وهذا خلاف ما وقع في سند هذا الحديث، كيف وقد نص أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى الذي عُرف بالدقة والاستقراء لروايات أهل العلم، حتى اصطفى منها صحيحه الجامع الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، فإن مثل هذا الحكم الصادر من هذا الإمام الجهبذ في عدم معرفته سماع الإمام مجاهد بن جبر من أم هانئ لدليل كافٍ على انقطاع السند بينهما، بله دليل على عدم صحة الحديث أصلا، وإن من المتعارف أن مثل البخاري ومن شاكَلَه من أهل التحقيق - غالبا - لا يطلقون الحكم جزافا من غير روية وتتبع، ولا يزال أهل العلم يبنون قواعد الجرح والتعديل على أقوالهم التي امتازت بالدقة مع الورع الظاهر دفاعا عن حياض السنة من الشوائب والعوائب، وقد أشار الحافظ ابن القطان الفاسي في كتابه (بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام) في موضعين إلى ضعف هذا الحديث، ففي (2/ 402) في تعليقه على حديث رقم (408) قال عقيب حديث أم هانئ رضي الله
(1) تحفة الأحوذي (5/ 30) ط- دار الكتب العلمية بيروت.