-عالي الهمة همه الآخرة:
قال صلى الله عليه وسلم:
"من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع الله له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له". [1]
يقول ابن القيم رضي الله عنه: [2]
وهمة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة ألا ترى أنه لو دخل أرباب المهن والصنائع إلى دار معمورة مشيدة، رأيت البنَّاء ينظر إلى البناء ورأيت النجار ينظر إلى النجارة ورأيت البزاز ينظر إلى الفُرُش وهكذا. والمؤمن لو رأى ظلمة تذكر ظلمة القبر، وإذا ذكر مؤلمًا تذكر العقاب، وإذا سمع صوتًا فظيعًا تذكر نفخة الصور، وإذا رأى الناس نيامًا تذكر الموتى في القبور، وإذا رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بأحوال الآخرة. وأعظم ما عنده أن يتخيل دوام البقاء في الجنة وأن مقامه لا ينقطع ولا يزول ولا يعتريه منغص، فإذا تخيل ذلك يطيش فرحًا ويسهل عليه كل ما في هذه الدنيا من آلام ومآس ومرض وابتلاء وفقد أحباب وهجوم الموت ومعالجة غصصه - فالتائق إلى العافية لا يبالي بمرارة الدواء - ثم يتخيل المؤمن دخول النار والعقوبة فيتنغص عيشه ويقوى قلقه. فهو في الحالتين مشغول عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة وفي صحراء الخوف تارة أخرى. فإذا نازله الموت قوي ظنه بالسلامة ورجا لنفسه النجاة، فإذا نزل القبر وجاءه من يسألونه قال بعضهم لبعض: دعوه فما استراح إلا لساعة.
-عالي الهمة شريف النفس: [3]
عالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور وسفاسفها في السر والعلن وجنبها مواطن الذل. ألم تر إلى شرف الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حين دعا ربه"رب السجن أحب إلي َّ مما"
(1) - رواه الترمذي.
(2) - تهذيب مدارج السالكين لإبن القيم.
(3) - صيد الخاطر لإبن الجوزي.