ثالثًا: ومع ذلك فإن المكان في القرآن الكريم قد أتى على هذا النحو إلا أنه لم يغفله تماما، بل هناك إشارات تحفز المتأمل وتدفعه دفعًا نحو الالتفات إليها وتدبرها، فهناك أماكن بعينها أقسم الله سبحانه وتعالى بها (8) ،وقد تميز القرآن الكريم بكثرة استخدام المكانية وتوظيفها داخل السياق بحيث لا يمكن أن يستبدل بتلك اللفظة اخرى ولو فعلنا ذلك لأختل المعنى اذ (( إن كل مفردة وضعت وضعًا فنيًا مقصودًا في مكانها المناسب، وأن الحذف من المفردة مقصود، كما ان الذكر مقصود، وان الابدال مقصود كما ان الأصل مقصود، وكل تغيير في المفردة أو اقرار على الأصل مقصود له غرضه ) ) (9) .
والمكان في القرآن الكريم جاء دونما تكلف، ومنح النص واقعية الحدوث، ومصداقية الحال، (حيث يجئ وصف الأماكن بطريقة منطقية لا تشويش فيها ولا اضطراب) (10) ، ولقد أضفى المكان بعدا معنويا، نرى من خلاله صورة نفوس الناس الذين أبرز المكان ما هم عليه من سعادة أو تعاسة، وهناء أو شقاء، وفرح أو حزن، وسعة أو ضيق. ولعل في القرآن من الشواهد ما يكفي للاستشهاد بذلك.
ومن خلال علم اللغة الجغرافي نجد ان الأرض انقسمت إلى قسمين رئيسين وردا في القرآن الكريم هما البر والبحر هذا من حيث المساحة الكلية، والبحر يدخل تحت مسماه المائي كل ما ثبت وجرى في بقعة أو مساحة جغرافية ما كالنهر، والعين، الينابيع، والسيول، وغيرها. أما البر فيتكون من مساحته العديد من الأجزاء، كالمدن، والقرى، وما فيهما من مساكن، وما في المساكن من حجر وغرف ... وجبال وما فيها من أجزاء، وحدائق ... إلخ، وبناءًا على ذلك فَإنَّنا سنعمد في دراستنا الدلالية إلى مجموعة من الالفاظ التي تنتمي إلى موضوعنا لتقويمها بمنهج نقف فيه على المعاني التي تدل على المكان عارضين لما جاء في القرآن الكريم مبينين قدر استطاعتنا الدلالة المرادة والحكمة المقصودة والهدف المبتغى وراء تلك الدلالة مستجمعين الالفاظ القرآنية على صعيد واحد متبعا منهجًا وصفيًا تحليليًا، يتمثل بجمع الالفاظ الدالة على المكانية التي استعملها القرآن الكريم واستقصائها، وذلك بتعيين اللفظة ثم تحديد عدد المرات التي وردت فيها كل صيغة في الكتاب العزيز ثم اوردتُ امثلة على سياقها منطلقًا من الدلالة اللغوية للفظة وما يؤيدها من الشواهد ثم دراسة الدلالة القرآنية لها معززة بالآيات الكريمة ثم النظر في حصول تطور دلالي أو عدمه من خلال الموازنة بين دلالتي اللفظة اللغوية والقرآنية المتعلقة لكل بناء ضمن السياق القرآني و عارضتُ ما توصل اليه المعجميون بما قاله المفسرون في تفسير هذا البناء او ذاك لمعرفة الاساس الدلالي الذي سلكه في استعمال المكان كما لاحظتُ السياق اللغوي