الصفحة 21 من 30

ومِثالُ النَّفيِ تَقدِيرًا قَولُهُ تَعالَى: (قَالُوا: تاللهِ تَفتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ) . أَي: لا تَفتَأُ، ولا يُحذَفُ النَّافِي مَعَها قِياسًَا إلا بَعدَ القَسَمِ، كالآيةِ الكَريمةِ، وتُحذَفُ"لا"النَّافيةُ في غَيرِ القَسَمِ، وشّذَّ حَذْفُها بِدُونِ القَسَمِ، كَقَولِ الشَّاعِرِ: (من الوافر)

وأَبرَحُ ما أَدامَ اللهُ قَومِي بِحَمْدِ اللهِ مُنتَطِقًا مُجِيدَا [1]

ومِن ذلِكَ حَذفُ النُّونِ السَّاكِنةِ من الحُرُوفِ الَّتِي بُنِيَتْ علَى السُّكُونِ، نحو:"مَنْ ولكِنْ"، وإنَّما يُحذَفُ لالتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، نحو: إذا جُزِمَ الفِعلُ المُضَارِعُ من"كانَ"قِيلَ: لم يَكُنْ، والأصلُ"يَكُونُ"، فَحَذَفَ الجازِمُ الضَّمَّةَ الَّتِي علَى النُّونِ، فالتقَى سَاكِنانِ: الوَاوُ، والنُّونُ، فَحَذَفَ الواوَ لالتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَصَارَ الَّلفظُ"لم يَكُنْ"، والقِياسُ يَقتَضِي ألَّا يُحذَفَ مِنهُ بَعدَ ذلِكَ شَيءٌ آخرُ، لكِنَّهُم حَذَفُوا النُّونَ بَعدَ ذلِكَ تَخفِيفًا لِكثرةِ الاستِعمالِ [2] . ومَذهَبُ سيبويه (ت 180 هـ) ومَنْ تابَعَهُ أنَّ هذِهِ النُّونَ لا تُحذَفُ عِندَ مُلاقاةِ ساكِن.

ومِنْ ذَلِكَ حَذْفُ الفَاءِ فِي جَوابِ الشَّرطِ، كَقَولِكَ:"إِنْ تَأتِنِي أنا أُكرِمُكَ"التَّقدِيرُ: فَأَنَا أُكرِمُكَ. وهذِهِ الفَاءُ مُلتَزِمَةُ الذِّكرِ، وقَد جَاءَ حَذفُها فِي الشِّعرِ، كَقَولِهِ:

فَأَمَّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيكُمُ ... ولَكِنَّ سَيرًا فِي عِراضِ المَواكِبِ

أي: فلا قِتَالَ، وحُذِفَتْ فِي النَّثرِ أيضًا بكثرةٍ وبِقلَّة، فَالكَثرةُ عِندَ حَذْفِ القَولِ مَعَها، كَقَولِهِ -عزَّ وجلَّ: (فَأمَّا الَّذِينَ اسوَدَّتْ وُجُوهُهُم أَكَفَرْتُم بَعدَ إيمانِكُم؟) [3] أي: فيُقالُ لَهُم: أَكَفَرْتُم بَعدَ إيمانِكُم. والقَلِيلُ ما كَانَ بِخلافِهِ. [4]

وإنَّما كَانَتِ الفَاءُ واجِبَةً ها هنا لأنَّ جَوابَ الشَّرطِ متى كانَ جُملةً أو فِعلًا مَرفُوعًا لم يَكُنْ بُدٌّ من الفَاءِ، لأنَّها إنَّما أُتِي بِها لِئلَّا يُسلَّطَ ما قَبلَها علَى ما بَعدَها. فَحَذْفُ الفَاءِ مَعَ الحَاجةِ إليَها مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعرِ، وقد كانَ سِيبَوَيهِ يُجِيزُ هذا الوَجهَ.

(1) شرح ابن عقيل 1: 245. والشاهد فيه:"أبرح"فقد جاء مجردًا من النفي أو شبهه، مع كونه غير مسبوق بالقسم.

(2) شرح ابن عقيل 1: 275 - 276.

(3) الآية 106 من سورة آل عمران.

(4) شرح ابن عقيل 2: 360.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت