فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 2175

الأول: أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه الرؤية بقوله: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ولو كانت الرؤية مستحيلة. فإما أن يكون موسى عالما بالإحالة، أو جاهلا بها.

فإن كان عالما بالإحالة: فالعاقل لا يسأل المحال، ولا يطلبه، فضلا عن كونه نبيا كريما. وإن كان جاهلا بالإحالة؛ فيلزم أن يكون آحاد المعتزلة ومن حصل طرفا من علومهم، أعلم بالله- تعالى- وبما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه من النبي الصفى؛ والقول بذلك غاية التجاهل، والرعونة.

وإذا بطل القول بالإحالة لما يلزم عنه من المحال؛ تعين القول بالجواز وهو المطلوب.

الوجه الثانى: قوله- تعالى-: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي علق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل ممكن في نفسه، وما علق وجوده على الممكن؛ فهو ممكن.

فإن قيل:

أما الوجه الأول: فالكلام عليه من وجوه.

الأول: لا نسلم أن موسى سأل الرؤية، وإنما سأله أن يعلمه به علما ضروريا. وعبر بالرؤية عن العلم؛ إذ العلم ملازم للرؤية، والتعبير باسم أحد المتلازمين عن الآخر سائغ لغة بطريق التجوز كما في قولهم جرى النهر والميزاب. والمراد به الماء الّذي فيه. وهذا هو تأويل أبي الهذيل العلاف وتابعه عليه الجبائى، وأكثر البصريين «1» .

سلمنا أنه ما سأل العلم بربه؛ ولكن إنما سأل أن يريه علما من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه كما في قوله- تعالى-: وسْئَلِ الْقَرْيَةَ «2» والمراد به أهل القرية.

ويكون معنى قوله أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ: أى إلى علم من أعلامك الدالة على/ الساعة. وهذا هو تأويل الكعبى، والبغداديين من المعتزلة.

(1) انظر الأصول الخمسة ص 262؛ حيث يذكر هذا الرأى لأبى الهذيل، ثم يضعفه. وانظر أيضا المغنى 4/ 162، 218.

(2) سورة يوسف 12/ 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت