فهرس الكتاب

الصفحة 1856 من 2175

وإن سلمنا امتناع الجمع بين الثواب الدائم، والعقاب الدائم، فما المانع أن تكون الطاعة محبطة للمعصية كما قاله المرجئة؛ بل وهو الأولى؛ إذ هو أقرب إلى العفو، والصفح المستحسن عقلا، وشرعا.

فلئن قالوا: إنما أسقطنا الثواب بالعقوبة لوجهين:

الأول: أن استحقاق العقاب، أقوى من استحقاق الثواب؛ وذلك لأن استحقاق من خالف الأعلى للعقاب، أشد من استحقاق من خالف الأدنى، على ما لا يخفى عرفا، وفى الطاعة بالعكس، فإن استحقاق مطيع الأعلى؛ لكونه أولى باستحقاق الطاعة للثواب يكون أدنى من استحقاق مطيع الأدنى للثواب.

وعلى هذا فاستحقاق مخالف الله- تعالى- للعقاب يكون أشد من استحقاقه للثواب بطاعته.

الثانى: هو أن الردة محبطة للطاعات وفاقا، والردة من الكبائر فكان في حكمها كل كبيرة.

قلنا: أما قولهم: إن استحقاق من خالف الأعلى للعقاب أشد من استحقاق من خالف الأدنى.

لا نسلم، وما المانع أن يقال: بأن استحقاق «11» // العقاب إنما يكون أشدّ عند ما إذا كان تضرّر المخالف بالمخالفة أكثر، والرب- تعالى- مقدّس عن الإضرار والانتفاع، فكان استحقاقه للعقاب أدنى من استحقاق غيره؛ فكان أولى بالعفو والصفح؟

وقولهم: إن استحقاق مطيع الأعلى للثواب أولى من استحقاق مطيع الأدنى.

لا نسلم./ وما المانع أن يقال: بأن مطيع الله- تعالى- أولى باستحقاق الثّواب، من المطيع لغيره، نظرا إلى ما يلحقه في طاعة الله- تعالى- من المكابد، والمشاق في النظر، والاستدلال ودفع الوساوس، والشّبهات، ومغالبة الشّهوات، وقهر النّفس الأمّارة بالسوء؛ بخلاف طاعة غيره، وقد قال عليه السلام «ثوابك على قدر نصبك» «1» والّذي يدل على ترجيح الطاعات على الكبيرة الواحدة أمور ثلاثة:

(11) // أول ل 133/ ب

(1) حديث صحيح- رواه البخارى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: يا رسول الله يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك. فقيل لها: «انتظرى فإذا طهرت فاخرجى إلى التنعيم فأهلى، ثم ائتينا بمكان كذا؛ ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك» . صحيح البخارى- كتاب العمرة- باب أجر العمرة على قدر النصب 3/ 605

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت