فهرس الكتاب

الصفحة 1810 من 2175

وأما أصحابنا: فقد اختلفوا في صورة المصلوب، وكذا كل ما نشاهده من الميت بعد موته، وهو على هيئته مددا متطاولة.

فمنهم من قال: ترد الحياة إلى بعض أجزاء البدن، واختصاصها بذلك والمساءلة، والعذاب، وإن لم يكن ذلك مشاهدا لنا.

وأما القاضى أبو بكر «1» : فقد قال: لا يبعد أن ترد الحياة إلى المصلوب وإن كنا نحن لا نشعر بها: كما في صاحب السكتة، ويسأل، ويعذب، ويكون ذلك خفيا عنا مستورا منا، ولا بعد فيه، كما لا بعد في رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم- جبريل؛ وهو بين أظهر أصحابه، مع ستره عنهم.

وأما الصورة الأخرى: فجوابها: بمنع اشتراط البنية المخصوصة في الحياة، وعند ذلك: فلا مانع أن يرد الله- تعالى- الحياة إلى كل جزء من البدن، أو إلى أجزاء مخصوصة منه كما سبق ويسأل، ويعذب، وإن كان ذلك مستورا عنا، وغايته أنه من الخوارق للعادة وهى غير ممتنعة في مقدور الله- تعالى- كما سبق تحقيقه.

وأما قوله- تعالى-: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا «2» ؟ فهو دليل على حياتهم؛ لأن المفهوم من المرقد: هو موضع الاضطجاع للرقاد، والرقاد من صفات الأحياء.

فإثبات المرقد لهم يدلّ على كونهم أحياء في قبورهم، وليس فيه ما يدل على عدم العذاب؛ لجواز أن يكونوا في مراقدهم معذبين.

ولهذا فإنه يصح أن يقول المريض المدنف «3» الّذي استولت عليه الآلام: تعذبت في مرقدى، وأنا على غاية الألم والقلق؛ فدل أن المرقد يكون مع الراحة تارة، ومع مقابلها أخرى. ويحتمل أن يقال: بأن ما يلقونه من عذاب القبر بالنسبة إلى ما يلقونه من عذاب يوم القيامة يكون كالروح والراحة «4» ، حالة كون الانسان راقدا في مرقده، فلذلك قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا: أى ما كنا فيه من الروح والراحة بالنسبة إلى هذا العذاب.

(1) انظر شرح المواقف- الموقف السادس ص 228 فقد وضح قول القاضى أبو بكر.

(2) سورة يس 36/ 52.

(3) المدنف: الدنف بفتحتين: المرض الملازم. وقد دنف المريض من باب طرب: أى ثقل ... وأدنفه المرض يتعدى ولا يلزم فهد مدنف ومدنف. (مختار الصحاح للرازى) .

(4) الروح: الاستراحة وكذا الراحة- مختار الصحاح للرازى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت