الصفحة 17 من 35

الكتاب ... ثمّ استجمعتُ شجاعتي وطلبتُ منه أن يريني الصورة التي عنده.

رحّب عمّي، أمسكتُ المجلّد، فتحته: الخطّ نفسه ... الألوان نفسها ... حتّى تجاعيد الورق نفسها ... أشياء قليلة اختلفت: الورق هنا أمتن، والرائحة ... رائحة كتاب جدّي لا تشبهها رائحة ... الأصابع التي قلّبت صفحات كتاب جدّي ما تزال آثارها وروائحها ... وهذا غير موجود في مجلّد عمّي.

ضحك عمّي عندما رآني أقرّب مجلّده من أنفي، وقال لي: هذه التي تنقصنا في الغربة ... رائحة البلاد .. رائحة الأهل والديار.

عمّي كانت أخلاقه أقرب إلى ما في الكتاب من حِكَم ... يبدو لي أنّ عمّي لو عاش بيننا لكان أقرب الناس شَبَهًا بجدّي ... هل غربته جعلته يختلف عن بقيّة إخوته؟! هل يفهمه الناس في غربته على حقيقته؟! هل الناس في البلاد الغريبة عندهم أجداد كجدّي؟! في الصيف القادم سأسأل عمّي كل هذه الأسئلة وأكثر.

انتهت عطلة الصيف، وأنا سعيد لأنّني قرأتُ أكثر من ثلاثين صفحة من كتاب جدّي ... وكتبتُها أيضًا ... وجدّي مسرور لأنّ أربعة من أحفاده التفّوا حوله لقراءة الكتاب. جدّي قال لي: تقدُّمُكَ في مدرستكَ يعني أنّك أَفَدْتَ من قراءة الكتاب.

وفي ساعة من ساعات الهدوء تسلّلتُ إلى نفس جدّي فحسبتُهُ يتساءل: ماذا لو كنتُ أعطيتُ أولادي ما أعطيه لأحفادي اليوم؟ اللّهمّ سامحني فما قصدتُ في تربيتهم إلّا الخير، ولكن كانت تشغلني عنهم مشاغل الدنيا وهموم المال ... مددتُ يدي إلى وجه جدّي، مسحتُ دموعه الصامتة، قبّلتُهُ في جبهته ووجنته ويديه، ثمّ وضعتُ رأسي في حضنه، ولم أتكلّم أيّ كلمة ... وغفوتُ ... مستسلمًا وقد تسلّلتْ إليّ أحلامٌ جِدُّ سعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت