وهذه مواقف عطرة للرَّسول الأمين، وصحابته الطيِّبين، والسلف الصالحين، رحمة الله عليهم أجمعين، وكيف كانوا لا يغضبون لأنفسِهم؛ بل لا يملكون إلاَّ العفو والصفح لمَن أغضبهم:
1 -ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أ - أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ أشدُّ من يوم أُحُد؟ قال: (( لقد لقيتُ من قومِك، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقَبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبْديَالِيلَ ابن عبدكُلَالٍ، فلم يُجبنِي إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفِق إلا وأنا بقرنِ الثَّعالب، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إنَّ الله تعالى قد سمع قولَ قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال، لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني ملَكُ الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمد، إنَّ الله قد سمع قولَ قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئتَ؟ إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين [1] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابِهم من يعبد اللهَ وحده لا يشرك به شيئًا ) ).
ب - أخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قَسَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَسْمًا، فقال رجلٌ: إنَّ هذه القسمة ما أُريد بها وجهُ الله، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه، فغضِب حتى رأيت الغضبَ في وجهه، ثم قال: (( يرْحَمُ اللهُ موسى، قد أُوذِي بأكثر من هذا فصبَر ) ).
جـ - وأخرج البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال:"كنتُ أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشيةِ، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذهُ بردائه جبذةً [2] شديدةً، فنظرتُ إلى صفحة [3] عاتِق [4] النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثَّرت بها حاشيةُ الرِّداء مِن شدَّة جبذتِهِ، ثمَّ قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفتَ إليه فضحكَ، ثمَّ أمر له بعطاء".
(1) الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة، والأخشب: هو الجبل الغليظ.
(2) الجبذة: الجذبة.
(3) الصفحة: الجانب.
(4) العاتق: ما بين العنق والكتف.