فأخبرهم عن ظهور نبي من العرب في هذا الزمان، كما عرف ذلك من كتبهم المقدسة، فقالوا: إنه لم يظهر إلى الآن ..
وفي سنة عشرين حضر حرب (الفجار) وهي حرب كانت بين قريش وحلفائها وبين قيس وحلفائها في موضع بين مكة والطائف يسمى (نخلة) .
وفي سنة خمس وعشرين سافر إلى الشام للمرة الثانية بتجارة خديجة بنت خويلد، وكانت تستأجر الرجال في مالها. وقد اختارته لهذا العمل لما سمعت عنه من الأمانة والصدق وغيرهما من الصفات الجميلة التي جبل عليها منذ حداثته، حتي ساه قومه بالأمين. وسافر معه (ميسرة) غلامها، فباعا وابتاعا ورحا رمحة جسما. وفيها تزوج مخديجة بعد عودته من الشام بشهرين، وهي التي خطبته لنفسها، ولها من العمر إذ ذاك أربعون سنة.
وفي سنة خمس وثلاثين جاء سيل جارف، فصدع جدران الكعبة بعد حريق كان قد أصابها، فعزمت قريش على بناتها، وقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بناءها وعمل فيه.
واختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه حتى كادوا يقتتلون لذلك، ففصل هذا المشكل العظم الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه بسط رداءه و قال: (لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب) ، ثم وضع الحجر فيه، وأمرهم رفعه حتى انتهوا إلى موضعه، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ووضعه فيه بيده الكريمه.
وقد نشأ عليه أفضل الصلاة والسلام دون أن يكون عنده ما يستغنى به عن الكسب، لذلك لما بلغ مبلغا مكنه أن يعمل عملا، كان يرعى غنما مع إخوته من الرضاعة في البادية، وكذلك لما رجع إلى مكة كان برعاها الأهلها على قراريط (1) .
وكان عليه الصلاة و السلام إذا استغنى لجأ إلى ربه متعبدة حامد شاكرة، وكان يقضى أكثر أوقاته التعبدية في غار ح راء.
و بعد زواجه من خديجة أم المؤمنين، أعطى أكثر وقته للعبادة في صومعته المفضلة: غار حراء. لأن خديجة - رضي الله عنها - كانت غنية، فكفته مشقة العمل، فتفرغ لعبادة الله.
(1) أي أجر قليل.