وكانوا يطلقون على هؤلاء المسلمين المحتجزين في مكة: الأسرى، وكان مزيد ممن يحملون الأسرى من مكة إلى المدينة لشدته وقوته (1) وشجاعته وإقدامه، إذ كان المسلمون يحاولون بشتى الطرق والأساليب إنقاذ أولئك الأسري، لإطلانهم من الأسر، ومنحهم حريتهم الدينية في كنف النبي صلى الله عليه وسلم * والمسلمين في المدينة المنورة
وكان بمكة بغى يقال لها: (عناق) ، وكانت صديقة له في الجاهلية، وكان مزند قد وعد رجلا أسيرا من المسلمين بمكة أن يحمله من مكة حتى يأتي به المدينة، فجاء ذات ليلة حتى انتهى إلى حائط من حيطان مكة في ليلة قمراء، فجاءت عناق وأبصرت سواد ظله بجانب الحائط، فلما انتهت إليه عرفته، فقالت: مرند؟!»، فقال: «مد!» ، فقالت: «مرحبا وأهلا! ملم فبت عندنا الليلة!» ، فقال: «يا عناق: إن الله حرم الزنا!» ، فصاحت بأعلى صوتها: «يا أهل مكة! إن هذا يحمل الأسرى من مكة!» ، فتبعه ثمانية رجال، فسلك طريق (الخندمة) (2) ، حتى انتهى إلى كهف في الجبل ودخله، وجاء الرجال الثمانية، فوقفوا على باب الكهف، ولكنهم لم يقبضوا على مرثد، فعادوا أدراجهم إلى مكة خائبين، ورجع مزئد إلى صاحبه الأسير بعد عودة الذين طاردوه ولم يفلحوا بالقبض عليه، فحمله، وكان رجلا ثقيلا، حتى انتهى إلى الأذاخر (3) ، ففكك عنه كبله (4) ، ثم حمله إلى المدينة.
وفي المدينة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنكح عناقة؟»، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه شيئا، حتى نزلت هذه الآية: (الزاني
(1) أسد الغابة (4/ 345) ، وتهذيب الأسماء واللغات (2/ 89)
(2) الخندمة جبل بمكة المكرمة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (3/ 470 - 471)
(3) الأذاخر: موضع بالقرب من مكة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (1/ 108 - (109
(4) كبله: القيد من أي شيء كان. (ج) : أقبل، وبول، وأكبال.