كنت أنصت إلى إذاعاتهم لي، ولا أكتفي بظلام الليل البهيم وحده، بل أزبده ظلاما بإطفاء الأنوار، وكنت أركن إلى زاوية خالية من الدار بعيدة عن الأمل والحياة، فإذا وعيت ما بذيعونه من أنباء جرت دموعي سخية سخينة، وأمضي مصاحبا نجوم الليل تارة وتاريخ العرب تارة أخرى، فأردد في حرقة ولوعة:
أحقا نحن عرب؟! أحقا نحن مسلمون؟! ..
بلغت إذاعات اسرائيل حد الوقاحة والخسة، في تلك الفترة القليلة في أيامها، الكثيرة في همومها، فهذا رئيس دولة إسرائيل يقول: لقد نجحت حملاتنا التأديبية ضد العرب، فأصبحت حدودنا أمينة ودولتنا رصينة. وهذا رئيس حكومة إسرائيل يقول: إن العرب والعالم كله يعرفون إسرائيل رقوتها، ويعرفون أن جيشها بالمرصاد لكل من يتجاسر على سيادتها من قريب أو بعيد.
وهذا رئيس أركان جيش إسرائيل يقول: إن جيش إسرائيل سيلقن سورية در سا لا ننساه، وسيلقن كل دولة عربية تحاول المساس بسيادتها درسا لا تنساه. إن جيش إسرائيل للعرب بالمرصاد، وهو الحصن المنيع لإسرائيل، وسيضرب سورية وشيکا، وكل آت قريب.
وكتبت مقالي في جريدة «العرب» عن: اللغة الوحيدة التي تفهمها اسرائيل ولم يكن مقالا، بل كان سباطا بلهب ظهور ححكام العرب، ذكرت فيه أن القوة وحدها ولا شيء غير القوة، هي اللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل (1) .
(1) - وهذا حق لا ريب فيه، ولكن العرب لم يستعملوا القوة ضد إسرائيل بكل معني الكلية حتى اليوم