أغرب وأعجب شيء هو أن كل المدارس الفكرية والفلسفية التي تميز الصين عن غيرها من الأمم هي تلك التي تمخض عنها ذلك الزمان البعيد"زمن الدول المتحاربة".. وقد ترافق الإنتاج الفكري في المجال العسكري مع النظر في شئون المجتمع على المستوى النظري التأملي في الإنتاج الفلسفي، وكان رجال الحرب جزءا من التركيبة الثقافية والإبداعية، والفارق بين المفكر والمثقف والشاعر والمفكر الاستراتيجي والمنظر الحربي، ليس كبيرا للدرجة التي يمكن أن تبدو للوهلة الأولى كان"ماو تسي تونغ"أشهر رجال القرن العشرين، مثقفا، وسياسيا، وزعيما، وشاعرا (له إنتاج أدبي متميز) وناقدا للكتب الكلاسيكية - بحكم قراءاته الواسعة منذ أن كان يعمل أمين مكتبة عامة أول حياته. وكانت كتاباته العسكرية تمثل قمة نضجه، بل إنها تأتي في الصدارة من بين أهم الكتابات والتحليلات العسكرية، خصوصا كتاباته حول حرب العصابات .. إلخ، ولا غرو فهو في جزء من تكوينه الفكري، نتاج ثقافة صينية تقليدية. لنتفق على ذلك، بدون كبير اعتراض - تعتد كثيرا بالكتابة في نظريات الحرب، بوصفها إبداعا ذا درجة عالية من الرقي .. لكن تلك مسألة أخرى
أقول: إن كتب التراث العسكرى أدخل في نطاق الفلسفة الاجتماعية منها في حساب مهارات الحرب وتكتيك القتال، وبرغم كثرتها، فلم يكن مقررة منها على المشتغلين بمهام التخطيط، سوي سبعة فقط، وهو تصنيف كان سارية منذ عهد أسرة سونغ، برغم شكوك النقاد حول صحة نسبة بعض هذه المؤلفات إلى أصحابها،