لا يعني وجود صراع مصالح بين الفرد والكل يخسر فيه الفرد على الدوام. ففي المجتمع الذي لا يتغير لا يوجد فرد بوصفه فردا على الإطلاق، علاوة على أن الكل الاجتماعي ليس فكرة معنوية مجردة تتغاير مع فكرة الفرد، بل وحدة متعينة تضم الأفراد كلهم. أما الانقسام بين الكل الاجتماعي والفرد الاجتماعي فهو ناجم، كحال غيره، عن عاداتنا في استخدام التعابير المعنوية المجردة. ولكي نفهم الوحدة التي تميز المجتمع الذي لا يتغير، يجب أن تتخلى عن بعض عادات التفكير المتأصلة فينا، وخصوصا مفهومنا عن الفرد.
الفرد مفهوم معنوي مجرد، وبذلك ليس له مكان في المجتمع الذي لا يتغير. للمجتمع أفراد، وكل واحد منهم قادر على التفكير والشعور: لكن بدلا من أن يكونوا متشابهين جوهريا، يختلفون أساسا وفقا لموقعهم في الحياة. ولا يخطر على بالهم أبدا أنهم متساوون بطريقة أو بأخرى.
ومثلما أن الفرد غير موجود كمفهوم معنوي مجرد، كذلك فإن «الكل» الاجتماعي لا يوجد كمفهوم معنوي مجرد بل كحقيقة متعينة ومحسوسة. ويمكن مقارنة وحدة المجتمع الذي لا يتغير بوحدة الكائن العضوي. فأعضاء المجتمع الذي لا يتغير كأعضاء الجسم. حيث لا يستطيعون العيش خارج المجتمع، ولا يوجد داخله سوى موقع واحد متاح لهم: ذلك الذي يشغلونه. الوظائف التي يؤدونها تقرر حقوقهم وواجباتهم. فالفلاح يختلف عن الكاهن اختلاف المعدة عن الدماغ. صحيح أن الناس يملكون القدرة على التفكير والشعور، لكن موقعهم في المجتمع ثابت لا يتغير، والتأثير الصافي لا يختلف كثيرا عن حالة كونهم لا يملكون أي وعي أو شعور.