في المجتمع الذي لا يتغير، لا يمكن تمييز الأوضاع الاجتماعية عن الظواهر الطبيعية. فهي ضرورة لزومية تحتمها التقاليد التراثية، وهي خارج نطاق قدرة البشر على التغيير آنئذ كحال قدرتهم على تغيير البيئة المحيطة بهم الآن. فالتمييز بين القوانين الاجتماعية والنواميس الطبيعية أمر يعجز عن إدراكه نمط التفكير التقليدي. وبالتالي فإن موقف الخضوع الذليل ذاته مطلوب تجاه المجتمع والطبيعة في آن.
رأينا آنفا أن نمط التفكير التقليدي يخفق في التمييز بين الأفكار والواقع، والحقيقة والكذب، والقوانين الاجتماعية والنواميس الطبيعية. فإذا توسعنا أكثر، يمكننا العثور على المزيد من هذه الإخفاقات. على سبيل المثال، يكتنف نمط التفكير التقليدي الغموض فيما يتعلق بمسألة الزمن: إذ ينزع الماضي والحاضر والمستقبل إلى التداخل والذوبان معا. لكن هذه التقسيمات التصنيفية أمر ضروري لا غنى عنه بالنسبة لنا. وعند الحكم على نمط التفكير التقليدي من وجهة نظرنا، نجد أنه ناقص وقاصر تماما. لكنه يعد كافيا في الأوضاع والظروف التي يسود فيها. فهو يؤدي وظيفته كاملة في المجتمع الذي لا يتغير: حيث يضم جميع المعلومات المتعينة الضرورية مع تجنب التعقيدات غير الضرورية. ويمثل أبسط طريقة ممكنة للتعامل مع أبسط عالم ممكن. أما نقطة ضعفه الرئيسة فهي ليست افتقاره إلى الدقة والبراعة، بل حقيقة أن المعلومات المتعينة التي يضمها أقل مرتبة من تلك التي يمكن الحصول عليها بمقاربة أخرى. هذا أمر واضح بالنسبة لنا، نحن الذين نتمتع بنعمة المعرفة المتفوقة. ولا حاجة لإزعاج أولئك الذين لا يملكون من معرفة سوى التراث؛ لكنه يجعل البنية برمتها معرضة للخطر ومكشوفة أمام التأثيرات الخارجية. إذا