الصفحة 78 من 212

ومعنى هذا وجوب ألا تأمنوا الغرباء، أي الكفار، وتأذنوا لهم بالتدخل في أعماق شؤونكم، فهم لن يتهاونوا في افسادكم. ومعنى ذلك أنهم لن يحجموا عن أي شيء يستطيعونه كي يجلبوا عليكم الأذى أو الدمار أو الضرر. وكراهيتهم تخرج من أفواههم، وهم القائلون «إننا أعداؤكم ....

رغم هذه الأحكام والتأويلات القاسية، فإن توظيف غير المسلمين كان وظل عملا شائعة - ولأسباب واقعية أكثر منها نظرية، إذ كانوا مفيدين، وكان هذا كافية بحد ذاته، والحكام المسلمون ونوابهم لم يكونوا عموما يجدون أن من الضروري أو المفيد تبرير هذا العمل. وهناك قصة مثيرة للاهتمام محفوظة في مخطوطات التراث ومنسوبة إلى عهد الخليفة عمر الأول (ابن الخطاب) . کان هذا الخليفة في المسجد، وطلب إلى أبي موسى الأشعري)، الذي كان والية على الكوفة أن يبعث بكاتبه إلى المسجد ليقرأ للخليفة بعض الرسائل التي وردت من سورية، وأجاب موسي بان كاتبه لا يستطيع دخول المسجد، فساله عمر «لم أليس هو على وضوء؟ «وأجاب أبو موسي» ... ولكنه نصراني ... » فصعق الخليفة وصفق فخذه بكفه غضبا، وقال لأبي موسى: «ماذا دهاك، قالك الله، الا تعرف قول الله تعالي:

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي

القوم الظالمين.»

الآية 51 من سورة المائدة).

ألم يكن بوسعك أن تتخذ لذلك مسلمة حقيقية؟ فرد أبو موسى على ذلك

بقوله:

إن دينه له وإن كتابته لي.» وكان قصد أبي موسى واضحة - إن دين المرء هو شأنه الخاص به، أما ما يهم رب عمله فهو مقتصر على كفاءته المهنية. لكن الذي سرد هذه الأقصوصة بعطى الكلمة الأخيرة للخليفة الذي قال: إنني لن أكرمهم بينما خزاهم الله. إنني لن أعزهم بينما أذلهم الله. إنني لن أقربهم بينما أبعدهم الله، وهذا التفريق بين أتباع المرء لدينه، وهو ما يمكن أن يستنكر، وبين كفاته المهنية، التي يمكن أن تكون مفيدة، هذا التفريق كان من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت