ولم يكن أهل الذمة - إلا في إيران ومراكش - مضطرين للعيش كجماعات خاصة بهم (غيتوات) لا بالمفهوم الجغرافي ولا بالفوم الحرفي، ومع أن اليهود والمسيحيين عموما كانوا قد عملوا إلى تشكيل أحيائهم الخاصة بهم في المدن الإسلامية، إلا أن ذلك كان نتيجة تطورات اجتماعية طبيعية، لا بسبب الزام قانوني كما كان الأمر بالنسبة إلى الغيتوات في أوروبا المسيحية. وكان الاستثناء البارز من هذه الحالة، وهو من الأزمنة المبكرة، هو قرار الخليفة عمر الأول (ابن الخطاب الذي قضى بنفي اليهود والنصارى من شبه الجزيرة العربية لكي يظل الاسلام وحده مجازة في الأراضي المقدسة التي هي منبته ويبدو أن هذا القرار قد سري على الحجاز فقط، ودليل ذلك أن الجماعات اليهودية - والنصرانية لفترة ما - بقيت في جنوب الجزيرة العربية وشرقها.
وعلى العموم، فكما أن الأقليات تحبذ التجمع في أماكن معينة خاصة، فإننا أيضأ نجدها تتمركز في حرف معينة، وبخاصة الحرف التي تتطلب مهارات كان المسلمون بحاجة إليها، وهم إما كانوا لا يملكونها أو كانوا لا يهتمون باكتسابها، وخلال حقب معينة كان أهل الذمة منغمسين جدأ بالتجارة وشؤون المال، وهذه وظائف أو مهام كان أبطال المجتمعات العسكرية يزدرونها. وفي بعض الأزمنة، وخلال القرون المتأخرة بصورة خاصة، كان أهل الذمة متمنين بما يمكن أن يسميه المرء «المهن القذرة» ، وهذه تشمل مهنة مثل أعمال تنظيف مجاري الصرف الصحي وتجفيف محتوياتها لاستخدامها كوقود ... وكان ذلك عملا شائعة فيما بين يهود مراکش واليمن والعراق وإيران وأسيا الوسطى، وكان من بين اليهود دباغون وجزارون وعمال مشانق ... إلى غير ذلك من الأعمال المماثلة والتي كانت تبعث على الاشمئزاز أو الاحتقار، وإلى جانب هذه الأعمال التي قذارتها واضحة، كانت مهن أولئك اليهود تشمل ماكان أيضا في عرف المسلم المتزمت أمرأ يجب تحاشية - وهو التعامل مع الكفار على الأخص، وقد أدى ذلك في بعض الأحيان إلى وصول نسبة كبيرة من غير المسلمين إلى مهن أخرى مثل العمل الدبلوماسي وأعمال التجارة والمصارف والسمسرة والجاسوسية. وحتى مهن العاملين والمتعاملين بالذهب والفضة - والتي كانت محترمة في أماكن متعددة من العالم - حتى هذه المهن كان المسلم الأصولي يعتبرها مهنأ مفسدة، وخطرة على الأرواح الخالدة لأولئك الذين يشتغلون بها.