العشرينات والثلاثينات جيشا هائلا تعداده أكثر من مليون رجل في زمن السلم، وتابعوا تقويته بانتظام، وهذا هو الأمر الذي أدى إلى الاستعجال باعادة تسليح المانيا عام 1930. ولا يصح أن يعتبر ذلك الاستعجال نتيجة الاستجابة لدعوة هتلر باعادة تطبيق الخدمية الإجبارية. وقد تساءل هتلر عن ماهية الغرض من هذه الآلة العسكرية الضخمة، ولم يستطع الا أن يستنتج أن ستالين ينوي اجتياح أوروبا كلها، وطالما أن الجيش الألماني بشكل الأن الحاجز الفعال بين الجيش الأحمر وأورويا، كان هتلر اعتبر أن ألمانيا ستحمل رسالة القضاء على الخطر الوافد من الشرق، ودحر قوى البلشفية المعتدية. ولذلك كان هتلر يراقب عن كثب التطورات التي تحدث هناك، كما كان يتهيأ للعمل عندما تدعو الضرورة للعمل.
لقد كانت تلك هي نظرته، كما أسلفت، خلال شتاء 1939 - 1940، ويجب أن يكون مفهوما أن هتلر لم يكن رجل دولة واقعية، وأنه لم يكن يعتبر أبدا أن السياسة سعي ثابت ومستمر نحو هدف معين، فبالنسبة إليه كانت السياسة حلي. أما هو فكان الحالم المتجاهل الحقيقة الزمان والمجال، متناسيا حقيقة أن ألمانيا نفسها مجرد رقعة صغيرة فوق عالم واسع. ويمكننا أن نفترض أن حلمه أصبح مشدودا نحو الشرق بعد الحملة البولونية بقليل، وربما وصل به الخيال الى حد تصور جرمنة حديثة للمناطق الشرقية الواسعة، كما حدث في القرون السالفة. أما ما لم يؤبه له في هذا الحلم، فهو السهول اللامتناهية والطرق الرديئة أو غير الموجودة اطلاقا والمستنقعات والغايات الواسعة والقرى التعيسة المبعثرة. وفوق كل ذلك: الجندي الروسي الصلب الشديد اليأس،، أن هتلر تفصة، كجندي في الحرب العالمية الأولى، خدم في الجبهة الغربية فقط. وعليه لم تكن لديه أية معرفة بظروف الجبهة الشرقية،
اعتقد هثلر بعد انتصاراته الرائعة في بولونيا وفرنسا والنرويج، أنه سيتمكن من سحق الجيش الروسي بنفس السهولة التي دحر بها أعداءه الأخرين , وكان لذلك غير آبه بجميع أصوات التحذير التي ارتفع منها الكثير. وفي ربيع عام 1941، قام الفيلد مارشال رونشتت، الذي كان قد أمضى طيلة الحرب العالمية الأولى في الجبهة الشرقية، بسؤال هتلر عما اذا كان يعلم ماذا يعني غزو روسيا، كما أن رئيس أركان الجيش الفيلد ماريشال فون براوخيتش ورئيس أركانه الجنرال هالدر، حذرا هتلر من عاقبة العملية. وكذلك فعل الجنرال کوسترنغ الذي عاش في روسيا لسنوات وغرف البلاد وستالين معرفة جيدة، الا أن تلك التحذيرات كلها لم تؤد الى أية نتيجة، ورفض هتلر تصديقها أو الاهتمام بها.
يبدو أن أول مرة فكر فيها هتلر بصورة جلية في شن هجوم على الاتحاد السوفييتي كانت خلال شتاء عام 1940. أما دوافعه فكانت ذات حدين: أوفيا انزال ضربته قبل أن يتمكن الروس من مهاجمته، وثانيها الحصول على مجال حيوي للفائض من سكان ألمانيا، وفي هذا الوقت لم يخبر هتلر أحدا بنواياه عدا القادة السياسيين والعسكريين الكبار جدا , وكان يعلم أنه لا يستطيع تنفيذ نواياه في الشرق بنجاح، ما لم تكن جبهته الغربية أمينة، وكما هي العادة