خطورة تلك الرؤى في اختزال الإسلام وتحويله ببساطة إلى الملاذ لهوية جريحة لم تعد قادرة على مواكبة العالم الذي يبدو لها وقد خرج عن السيطرة. وقد كان الإسلاميون الجدد في مقدمة من عارضوا تلك القراءة الشخصانية للإسلام داخل التيار الإسلامي؛ فالإسلام عندهم يدعو المسلمين لأن يمارسوا عقيدتهم عبر الانخراط النشط في الحياة الاجتماعية بما في ذلك بعدها المادي.
ويرفض الإسلاميون الجدد الأفكار التي توحي بأن هناك وصفة سرية للنجاح يملكها الغرب ولا يمكن للعالم الإسلامي الحصول عليها؛ ففي كتاباتهم مؤخرا عن التنمية الاقتصادية أشاروا إلى عدد من قصص النجاح في دول تتراوح بين كوريا وماليزيا وأيرلندا. وفي كل تلك الحالات - كما يقولون- كان الإصلاح الناجح يبدأ بالتعليم وينتهي بالعمل الجاد في إطار استراتيجية وطنية شاملة. وقد كتب هويدي عن حالة أيرلندا في ذلك السياق متحديا بذلك الإحباط واليأس. فخلال زيارة قصيرة لإنجلترا في منتصف السبعينات لاحظ وجه الشبه بين الطريقة التي كان يتحدث بها أهل لندن عن سذاجة الأيرلنديين وبين ما يقوله سكان القاهرة عن أهل الصعيد من أنه يمكن التدليس عليهم لشراء الأهرامات. وفي تلك الأيام كان الاقتصاد الأيرلندي يعتمد على زراعة البطاطس، وتربية المواشي، وصناعة النسيج. وشعر هويدي أن أيرلندا لا تبدو مختلفة كثيرة عن محافظة المنوفية مسقط رأسه التي تستدعي إلى ذهنه صورة ريفية مماثلة.
ولكن مع نهاية القرن، وجب الاعتذار للأيرلنديين؛ ففي خلال عقدين - على حد قوله- حول الأيرلنديون أنفسهم من بلد زراعي فقير کان رغم موقعه الجغرافي ينتمي للعالم النامي إلى دولة صناعية تنافس الولايات المتحدة في إنتاج الإلكترونيات، وتمثل سوق استيراد لهم. ويعلق هويدي «رغم انحيازي للمنوفية واحترامي وتقديري لها، فإنني أعترف أن المقارنة بينها وبين الأيرلنديين بمثابة إهانة كبيرة لهم» (74) . وحيث أدهشه مفاجآت الأيرلنديين، سأل هويدي السؤال الذي يفرض نفسه حول الصيغة التي أدت إلى نجاح الأيرلنديين. وقد سمع الإجابة نفسها نفسها كلما سأل: فقد خرج الإصلاح من رؤية استراتيجية واضحة بدأت بالنظام التعليمي (75) . وقد أكد هويدي على قناعته بأنه «لا يوجد سر في المسألة، فرحلة النجاح بدأت بالدخول من أبواب التعليم وهو ما فعلته أيرلندا وماليزيا وكوريا، وما فعله -أيضا- محمد علي» . وكما يقول هويدي عليك أن تقرأ أولا حتى تعرف ثم