الصفحة 183 من 344

ولتفسير ذلك التراجع النسبي لمصر في الاقتصاد العالمي، لا يلجأ الإسلاميون الجدد إلى كبش فداء، ويرفضون من حيث المبدأ أطروحات بعض العلمانيين التي تزعم أن الإسلام هو سبب تخلف مصر؛ فقيم الإسلام - من وجهة نظرهم - تتفق تماما مع التقدم الاقتصادي، لكن سوء أداء المسلمين وفساد النظم السياسية الحاكمة يقضي على إمكانات ذلك التقدم الاقتصادي. ويعترف الإسلاميون الجدد - أيضأ - بالنكسات التاريخية للتنمية التي نتجت عن الاستعمار، ويدركون حجم التحدي الكامن في تبادل دولي غير متكافئ تضع شروطه الدول المتقدمة، ولكنهم مع ذلك يصرون على أنه لا تزال هناك نافذة أمل لا بد أن يستغلها المصريون عبر المبادرة والعمل الشاق.

فالإسلام من وجهة نظر الإسلاميين الجدد يضع خطوط عريضة يمكن الاسترشاد بها في مثل تلك الجهود الرامية إلى الإحياء الاقتصادي. وينطلق فکر الإسلاميين الجدد بشأن الإصلاح الاقتصادي من مبدأ مؤداه أن أي تغيير اجتماعي إنما يبدأ بجهود الناس لإصلاح أنفسهم، ومن ثم رفض النزوع إلى القدرية. ويتحدث هويدي عن ذلك المبدأ كقانون للكون، بينما يكرر القرضاوي بانتظام الآية القرآنية التي تؤكد على أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (65)

أما المبدأ الثاني المرتبط بذلك الأول ارتباطا وثيقا عندهم فهو الذي يعتبر أن التنمية والثقافة مرتبطان ارتباطا وثيقا، فالبشر المكلفون بعمارة الأرض مأمورون أن يفعلوا ذلك، كل في إطار القيم والمقاصد العليا المجتمعاتهم، وبما يتناسب مع اختلاف ثقافاتها. ولعل غياب النزعة الشمولية في فكر الإسلاميين الجدد تنبع من إدراكهم بأنه لو أراد الله للبشرية أن تكون أمة واحدة لخلقها أمة واحدة؛ فالتعددية الإنسانية انعکاس الإرادة الله، وعلى ذلك فإن اختلاف مسارات البشر نحو المستقبل يعبر عن المعنى ذاته. ويوجه ذلك المفهوم الجامع عند الإسلاميين الجدد جهودهم نحو إعادة التفكير في التراث الإسلامي من منظور تنموي ساعين إلى البناء على مواطن قوته والتغلب على نقاط ضعفه عبر الانفتاح على تجارب الآخرين. ويظهر هذا التوجه بجلاء في مناقشة هويدي للحالة الكورية؛ ففي عرضه لدراسة أكاديمية عن التنمية في كوريا الجنوبية، يذكر هويدي أن الكوريين لجأوا أولا إلى التقاليد الكونفوشية الموروثة (66) ، وقاموا بتحليلها من منظور تنموي، وركزوا على القيم والمفاهيم التي تدعم النمو الاقتصادي، بينما قللوا من أهمية المعتقدات والممارسات التقليدية التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت