الجسدية أولا. ومن وجهة نظره فإن إصلاح الأوضاع المادية شرط ضروري يسبق تنمية الإيمان الديني لا العكس. ويذكر الغزالي أتباعه بأن الفقهاء اجتمعوا على أن الصلاة التي تنبع من الخوف والجوع ليست صلاة على الإطلاق، ولا يمكن اعتبار الفقر والخوف بوابة لدخول الإسلام. بل أكثر من ذلك، يقول إن لكل المسلمين مصلحة في التغلب على تلك الابتلاءات التي يواجهها البشر لأنه حتى يكون المسلم مسلم فأنه يتحتم عليه أن يشارك غيره من البشر همومهم. ويؤكد الغزالي والقرضاوي في كل كتاباتهما على أن الفرد لا يمكنه أن يكون مسلما بمعزل عن الآخرين، وإنما كجزء من جماعة المؤمنين. فالإسلام لا يعتبر تلك المنهج مجرد دلالة على صلاح المؤمن، وإنما هي أحد متطلبات العقيدة؛ فعلى كل مسلم مسؤولية تجاه المسلمين الأخرين خصوصا الذين يعانون العوز والحرمان. وفي الإسلام فإن كل أعمدة العقيدة: الصلاة والصوم والزكاة والحج لها بعد اجتماعي؛ فالزكاة والحج مرتبطان بشكل مباشر بالجماعة، حيث إن الزكاة تهدف صراحة إلى مساعدة الأضعف في المجتمع. أما الحج فينطوي على التزام كثيرا ما يتجاهله المسلمون وهو أن يناقش المؤمنون المجتمعون في الأراضي المقدسة قضايا الأمة. ومن ثم فإن اثنين من تلك الأعمدة لا يمكن أصلا أداؤهما من جانب المسلم وحده. أما صوم رمضان فإن مغزاه الكامل لا يتحقق إلا بالخبرة الجماعية المتمثلة في التهذيب المشترك، والتدبر في العقيدة. وهناك -أيضا- تفضيل لأداء الصلاة في جماعة، وهو التفضيل الذي لا يتحول إلى التزام إلا بالنسبة لأداء صلاة الجمعة. أما الشهادة - وهي العمود الخامس- فإنها لا تعبر عن طاعة الفرد وخضوعه لرسالة الله فقط، وإنما هي -أيضاإعلان عن الدخول في جماعة المسلمين. ومن هنا فإن العبادات الأساسية في الإسلام تركز بشكل متميز على الجما - (27) . ولهذا السبب تحديدا فإن الله -كما يقول الغزالي- قد جعل متطلبات العبادات في حدها الأدنى حتى يتسع الوقت للالتزامات المتعددة إزاء الجماعة (28)
ورغم الفشل الاقتصادي المتكرر وتأثيره السلبي على مواطني مصر - وخصوصا
الأقل حظا- إلا أن الإسلاميين الجدد لم يفقدوا أبدا إدراكهم لأهمية التوازن في الدعوة إلى الإصلاح مؤكدين بانتظام على التدرج. ويدفعهم في ذلك ما هو أكثر في الواقع من اعتدالهم الشخصي. فهم يؤمنون -كما يشرح بيانهم بأن التغيرات الراديكالية التي طرأت على توجه مصر الاقتصادي من الرأسمالية إلى الاشتراكية ثم