الصفحة 161 من 344

بمغادرة المدينة مع قافلة الحجيج، مر على فتاة صغيرة تجوب موقع القمامة في المدينة فتوقف الإمام وسألها عن أمرها، فقالت إنها يتيمة بلا عائل وتبحث عن شيء تقتات به، فاستدار الإمام إلى مساعده وأمره أن يعطي الفتاة كل المال الذي ائتمنه عليه قائلا ببساطة «هذا حجنا لهذا العام (26)

إن هذا الالتزام بالاستجابة للاحتياج الإنساني - كما يتضح من قصة الإمامإنما ينبع من الشعور الإسلامي بالمسؤولية الأخلاقية إزاء رد الظلم. وإقامة نظام اقتصادي يحقق الكرامة والعدل مهمة بشرية ضخمة لم يحدد الله لها وصفة جاهزة مباشرة أو مفصلة، ويرفض الإسلاميون الجدد بشكل خاص- الفكرة المبسطة التي تعتبر أن طاعة الأوامر الإلهية القليلة التي جاءت صريحة في القرآن تجعل الاقتصاد إسلامية؛ فهم يرون أن ذلك الفهم قاصر للغاية، صحيح أن آيات القرآن مثل تحريم الربا وفرض الزكاة لها تأثيراتها الاقتصادية ومن ثم ينبغي الوفاء بها، إلا أن تحريم الربا وإيتاء الزكاة يمثلان عناصر مهمة، ولكنها ليست كافية لاعتبار نظام اقتصادي بعينه إسلامية من السهل تصور نظام يحرم الربا وتؤدي فيه الزكاة ومع ذلك يغيب فيه الوفاء باحتياجات البشر الأساسية. وبالروح نفسها، يرفض الإسلاميون الجدد دعاوى بعض المنتمين للحركة الإسلامية الذين يسعون إلى تقديس الممارسات والمؤسسات الاقتصادية التي سادت في العصور الأولى للإسلام وكانت تفي بتلك الاحتياجات. فمن وجهة نظرهم لا النصوص ولا النموذج التاريخي کافيان لتعريف نظام اقتصادي بأنه إسلامي. فابتکار نظام اقتصادي إسلامي هو أحد المجالات التي ترکها الله لجهود كل جيل، بعد أن يستلهم في جهوده تلك مقاصد الإسلام العليا وقيمه التي تحدد المعايير التي تذهب إلى ما هو أبعد من نصوص يه نها.

وتركز تلك القيم الإسلامية العليا على الوفاء بحاجات البشر في سياق اجتماعي لا من خلال التعبير عن التدين الشخصي. وقد أكد الغزالي بشكل أكثر بلاغة على أولوية خلق مجتمع يحترم الإنسان قبل الاهتمام بالجوانب الروحية الفردية؛ فالإسلام لا يمجد الفقر، ولا يجازي الفقراء في الأخرة على آلامهم في الدنيا، على العكس فإن ملء البطون الفارغة، والتخفيف من قلق البشر بشأن بقائهم المادي هو المهمة الأولى للنظام الإسلامي العادل. فرب القرآن يدرك الحاجات الإنسانية الأساسية وضرورة الوفاء بها. ويسخر الغزالي من مجرد فكرة دعوة الناس للإسلام أو الحديث عن إصلاح الدين دون التعامل مع احتياجات أولئك البشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت