ولكن بالنسبة لأخرين، تعني العلمانية الالتزام بالحقوق المدنية والقانونية والسياسية لكل المواطنين بغض النظر عن العرق أو الدين أو غير ذلك. وهم يعتبرون أن ذلك الالتزام هو جوهر الفكر العلماني وأحد الأهداف السياسية للحركات العلمانية. ومن ثم يرى هؤلاء أن الوقوف ضد العلمانية معناه الوقوف ضد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومرة أخرى يقول کمال أبو المجد في لغة صريحة: «إن إسلامية الدولة لا تمس هذه المساواة» .. ورغم أن نظمة إسلامية بعينها - مثلها مثل النظم غير الديمقراطية بكافة توجهاتها - قد تنتهك تلك الحقوق الإنسانية والمدنية في الواقع العملي، إلا أن تلك الممارسات السلوكية لا يجوز ربطها بالإسلام نفسه (85)
ويعتقد الإسلاميون الجدد أن العلمانيين المعتدلين والإسلاميين الوسطيين يشتركون في الالتزام بمنظومة واسعة من القيم تفتح الباب - نظرية على الأقل - أسام فهم متبادل وتعاون مشترك كأعضاء في المجتمع الإسلامي. وهم يعلنون صراحة تقديرهم لتيارات علمانية عدة في كفاحها من أجل قيم مهمة مثل العدل، والحرية، والعقلانية، من داخل إطار العلمانية، ومن هنا يدعون هؤلاء إلى الانضمام لهم التشكيل مدرسة فكرية ائتلافية ... يتعاون أطرافها على البر والتقوى وإشاعة الخير والعدل بين الناس» (86) . ولا يجد الإسلاميون الجدد نظريا عقبات في طريق التعاون مع العلمانيين المصريين المعتدلين في كل المشروعات الوطنية من أجل المصلحة العامة».
وفي الوقت ذاته يدرك الإسلاميون الجدد أن هذه الفرصة الكبرى في التعاون لم تحدث في كثير من الأحيان. وهم يقفون بقوة ضد المتطرفين الإسلاميين الذين يهاجمون بلا تمييز كل التيارات العلمانية، ويرون أن ترشيد الجسد الإسلامي، بمعني علاج ذلك الغضب الجامح والنزعات الانعزالية، له أولوية رئيسية تقع في قمة مسئولياتهم (87) . ولكن في الوقت ذاته، يعبر الإسلاميون الجدد عن دهشتهم وحزنهم لموقف بعض العلمانيين الذين يرفضون بشكل مطلق الحوار والتعاون حتى مع تيار الإسلام المستنير (88) ؛ ففي ردهم على الدعوة للحوار من جانب أولئك الإسلاميين الإصلاحيين يقول العلمانيون إن الإسلاميين يختلفون فيما بينهم فقط في الطريقة التي يقدمون بها أنفسهم أو الوسائل التي يستخدمونها، أما الأهداف فلا يوجد عليها خلاف بين المعتدلين والمتطرفين الإسلاميين. ويقول كمال أبو المجد: يبدو أن أولئك العلمانيين «مصممون على التعامل مع روافد التيار الإسلامي كلها