فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ, فَقَالَ: «أَسَمِعْتَ بِلاَلًا يُنَادِى [1] ثَلاَثًا؟". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِئَ بِهِ؟ » , فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «كُنْ أَنْتَ تَجِئُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ» . [حم 2/ 213، ق 9/ 102، ك 2/ 127] "
(فجاء رجل بعد ذلك) أي بعد التخميس والتقسيم (بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به) أي: بالزمام (فاعتذر إليه) أي: اعتذر ذلك الرجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - للتأخير عذرًا غير مسموع.
(فقال) رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كن أنت تجيء به يوم القيامة) على ما قال الله تعالى في كتابه: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [2] (فلن أقبله عنك) ، وهذا أيضًا من باب التغليظ والتشديد في باب الغلول، وقد اتفقت الأمة على أن الغلول كبيرة وحرام سواء قلَّ أو كثر.
فإن قلت: لما لم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الزمام ورده عليه، فماذا يفعل الغال بذلك إذا تاب وندم؟ .
قلت: قال الشوكاني [3] : قال الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإِمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له التصدق بمال غيره، قال: والواجب أن يدفع إلى الإِمام كالأموال الضائعة [4] .
= واستدل له النووي بما سيأتي في باب في النفل من قوله تعالى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] ، ثم تسخ بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ... } الآية [الأنفال: 41] . [انظر:"شرح صحيح مسلم" (6/ 299) ] . (ش) .
(1) في نسخة:"نادى".
(2) سورة آل عمران: الآية 161.
(3) "نيل الأوطار" (5/ 61) .
(4) قال الموفق: إذا تاب قبل القسمة ردَّ ما أخذه في المقسم بلا خلاف، وإن تاب بعده =