وهنا يأتي البيان في السنة ونحن نقرأ في كتب التفسير روايتين اثنتين:
إحداهما ضعيفة وهي رواية ابن عباس ثم ذكر هذه الآية، قال: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] وفعل بالعباءة هكذا، أي: غطى عينًا واحدة، وهذا أمر طبيعي جدًا وهو ينافي تغطية الوجه، أو بعبارة أوضح: ينافي تفسير الإدناء بالتغطية، وبخاصة حينما تذكر هنا بعض الكلمات أنا أعتبرها فلسفة لا ينبغي أن تذكر في الأحكام الشرعية؛ لأنها ستقابل بفلسفة أخرى وهي:
يقولون: لأن أجمل ما في المرأة وجهها، وهذا ظاهر لكن لماذا ندخل هذه الفلسفة في مسألة تعبدية شرعية محضة لا مجال لإدخال العقل فيها إن كان هناك نص يأمر المرأة بأن تغطي وجهها اتبعناه وإلا لا نتفلسف؛ لأن هذه الفلسفة ستقابل بمثلها، وقد قلت فعلًا: إذا كان أجمل ما في المرأة وجهها فما أجمل ما في الوجه في المرأة؟ سيكون الجواب: عيناها، فإذًا: إذا كانت الفلسفة الأولى تعني أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها؛ لأن هذا الوجه هو أجمل ما في المرأة فإذًا: يجب عليها أيضًا أن تغطي عينيها مع الوجه؛ لأن العنين أجمل ما في الوجه وهذا لا قائل به إطلاقًا.
بعض الناس ممن لا يعرفون الأدلة الواردة في هذا الخصوص يلجأ للخلاص من هذا الإيراد بأن يفرض شيئًا لم يكن معهودًا في ذلك الزمان وهو أن تضع مثلًا نظارة معتمة فلا يبدوا عيناها وفي الوقت نفسه ترى طريقها، أو تضع منديلًا بما هو معروف اليوم تستدله على وجهها وليس يكون كثيفًا يكون شفافًا بعض الشيء بحيث أنها ترى الطريق ولا يرى وجهها، هذا المنديل لم يكن في ذلك الزمن أيضًا، كل ما كان إنما هو النقاب ولا يزال النقاب معروف حتى اليوم، وقد ذكره الرسول عليه السلام في الحديث الصحيح حين قال: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» فمفهوم الحديث: بأن غير المحرمة تنتقب، تلبس القفازين، وهذا يعني أن هذا كان موجودًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا معروف، ولكن تفسير يدنين بتغطية الوجه وفيهما العينان هذا لا يمكن أن يقول به إنسان يتنبه لما يلزم من قوله.