إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: 79] . ليس لها علاقة بموضوع مس القرآن الذي هو بين أيدينا.
هذا له شبه كبير أُوْجِزُهُ بقدر الاستطاعة فأقول: لا يمسه: الضمير هنا يرجع إلى الكتاب المكنون المذكور من قبل؛ لأن الله عز وجل يقول: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77] . {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 78] . {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] . لا يمسه راجع للكتاب المكنون، كتابنا هذا والحمد لله ليس مكنونًا، يعني: ما معنى مكنون، يعني: مختوم، يعني: ولا تراه ولا تطوله أيدي الشياطين، ولذلك للإمام مالك رحمه الله فهم جيد ولطيف جدًا في كتابه الموطأ في تفسير هذه الآية، حيث يقول: أحسن ما سمعت في تفسيرها أنها كالآية التي في سورة عبس: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} [عبس: 11] . {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 12] . {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} [عبس: 13] . {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} [عبس: 14] {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} [عبس: 15] {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 16] . من هم السفرة؟ الملائكة، هؤلاء الملائكة هم أنفسهم المقصود أنهم يمسوه، وأن غيرهم لا يمسوه ذلك الكتاب المكنون.
هذه قرينة، وهناك قرائن أخرى ومِن أقواها أنه قال تعالى: «إلا المطهرون» نحن معشر البشر لا يجوز أن نصف أنفسنا مهما سمونا وعلونا في الصلاح والتقوى بأننا مطهرون، نحن لسنا مطهرون، لا يوجد إنسان مطهر أبدًا، بل نحن ملوثون والصالح منا من يتكلف فيتطهر، الصالح منا من يتكلف يعني: يتصنع الطهر، وإلا ليس بإمكانه أنه طاهر، المطهرون هم الملائكة الموصوفون بقوله عز وجل: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] . أما البشر فهم الذين [وصفوا بقوله] عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] . كذلك لما ذكر مسجد قباء قال: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] . فنحن إذا كنا مثلهم فهنيئًا لنا، وعلينا أن نتطهر، أما المطهَّرِين فهيهات هيهات.
الشاهد من الاستدلال بهذه الآية وربطها بهذا الموضوع هذا خطأ شائع، ومن أحسن من تكلم على هذه الآية في أحسن ما ذكرنا، ومنه نحن استمددنا، هو