والمقصُود: لا جُناحَ عليهِ مِنْ فِعلِ السَّعي بينَهما، وليسَ مَعناه: لا جناحَ مِنْ تَركِ السَّعي، وإلاّ لكانَ التعبير: لا جُناحَ عَليهِ ألاّ يَطَّوَّفَ بهما. وكانَ الأنصارُ يتَحرَّجونَ منَ السَّعي بينَهما لأنَّهمْ لم يَكونوا يُحِلُّونَهُ في الجاهليَّة، فجاءَ التَّعبيرُ هكذا.
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (البقرة: 159)
159 -إنَّ أهلَ الكتاب، وخاصَّةً اليهود، يُخفُونَ ما أنزَلنا على الرسُلِ منَ الدلالاتِ البيِّنةِ على حَقائقَ مُهمَّة، وما جَاؤوا بهِ منَ الهَدي النافعِ للقلوب، كالإيمانِ بمبعثِ الرسولِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ووجوبِ اتِّباعِه، حيثُ بيَّنَهُ اللهُ تعالَى في الكتبِ التي أنزلها.
قالَ أبو السعودِ في تفسيره:"والمرادُ بكتمهِ إزالتُه ووضعُ غيرهِ في موضعه، فإنَّهمْ محَوا نعتَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وكتبوا مكانَهُ ما يُخالِفُه". وقدْ جعلَ الكتمَ بهذا منْ أنواعِ التحريفِ والتبديل.
فهؤلاءِ الساكتونَ عنِ الحقّ، الكاتمونَ ما أنزلَ اللهُ منْ خيرٍ وهُدًى، يَطردُهمُ اللهُ ويُبعِدهمْ مِنْ رحمتِه، كما يَلعنُهمْ كلُّ مَنْ يتأتَّى منهمُ اللعنُ والدعاءُ عليهم، مِنَ الملائكةِ ومؤمني الجنِّ والإنس، فهمْ مَنبوذونَ مِن أهلِ الحقِّ كلِّهم.
{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 160)
160 -ويُستثنَى مِنْ أهلِ الكتابِ المذكورين، الذينَ تابوا إلى اللهِ ورجَعوا عمّا كانوا عَليهِ مِنْ ضَلال، وأعلنوا الحقَّ واعترَفوا به، وأصلَحوا ما أفسَدوا وحرَّفوا، وبيَّنوا للناسِ ما كانوا كتَمُوه، فهؤلاءِ أقبَلُ توبتَهم، وأنا كثيرُ قبولِ التوبةِ ونَشرِ الرحمة.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (البقرة: 161)