حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قاتل فُوَاقَ ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقًا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحًا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن جرح في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء) ، وما أخرجه النسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه قال: (أيما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن رجعته أرجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له) .
ومثل من استجمع في صدره وسلوكه سورة البقرة كمثل المجاهد المقبل غير المدبر الثابت غير الواجف أو المتردد، ولذلك عندما انجفل الطلقاء يوم حنين بالناس، ولم يثبت يومئذ مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا جماعة من أصحابه منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث، جعل النبي يقول للعباس: ناد يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فنادى وكان صيتا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون: يا لبيك، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم، فقال: الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، انا ابن عبد المطلب، ثم قال للعباس: ناولني الحصيات فناوله، فقال: {يَشْوِى الْوُجُوهَ} ورمى بها، وقال: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
وعندما (بَعَثَ رَسُولُ الله بَعَثًْا وَهُمْ ذَوو عَدَدٍ فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ -يَعْنِي مَا مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ - فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ منْهُمْ مِنْ أَحْدَثهِمْ سِنًا، فَقَالَ:(مَا مَعَكَ يَا فُلاَنُ؟) فَقَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ البَقَرَةِ، فَقَالَ: (أَمَعَكَ سُورَةُ البَقَرَةِ؟) فَقَالَ: نَعَمْ، قالَ: (فاذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ) ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَالله يا رسول الله مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ سورة البَقَرَة إِلاَّ خَشْيَة أَنْ لاَ أَقُومَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله: (تَعَلَّمُوا القُرْآنَ واقْرَأُوهُ فَإِنَّ مَثَلَ القُرْآنِ لِمَنْ تَعَلمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُو مِسْكًا يَفُوحُ برِيحه فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكي عَلَى مِسْكٍ) . وفي رواية أخرى فقالوا: يا رسول الله هو أحْدَثُنا فقال: (معه سورة البقرة) . وعن عثمان بن أبي العاص قال: استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأنا أصغر القوم الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة.
ذلك أن سورة البقرة قد فصلت ما في الفاتحة من القرآن الكريم ومهدت لما يأتي بعدها من تفصيلات أخرى في ما يتلوها من السور، فكانت بذلك على تسنمها الذروة جسرا ومفتاحا لما أجمل قبلها وما استفيض فيه بعدها، وكان مستوعبها العامل بها ممسكا بالعروة الوثقى متمكنا من دينه تصورا عقديا وتشريعا ربانيا للفرد والمجتمع وفقها واعيا للنفس البشرية سعيا بين الناس و فهما للمبدأ والمعاد وطرق الضلالة ومناهج الرشاد.