فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 523

من الفطرة السوية عاطفة جياشة تحفظ البقاء والاستمرار وترعى بالمحبة والحنان الذرية، وتؤهلها لما خلقت له في جو من السواء والطمأنينة والسكينة، فإذا اختلت عواطف الأبوة والأمومة وتنكرت لما خلقت عليه، وتمردت على السنن السوية إيثارا لهوى عابر أو ركونا لطيش فاجر أو غبشا في التصور، كان للتشريع دوره في إحياء النفوس وتنبيه العقول وإيقاظ الضمائر، وإلزام الأزواج مسؤولية سعيهم ونتائج تصرفاتهم وعواقب ما يعملون.

لذلك ما إن نظم الوحي الحياة الزوجية تعاقدا شرعيا وتكافؤا عقديا، وتعاونا على البر والتقوى، وبين أحكام ما ينتابها من حالات الوفاق أو الفراق، والمكارمة أو الشقاق، حتى أتبع ذلك ببيان مسؤولية الزوجين عما ينجبان من الذرية، وتقرير حقوق كل خلق جديد يقدره الله تعالى لهما. ولما كانت التنشئة والتربية أول واجباتهما نحو أبنائهما وأول حقوق الأبناء عليهما، فقد خطا الوحي أول خطوة تشريعية في ذلك، هي إيجاب حق الوليد في التغذية بما يناسب فجر حياته وظروف تنشئته الأولى فقال تعالى بصيغة خبرية تفيد معنى الأمر والإلزام: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} ، ويقصد بالوالدات الأمهات اللائي ولدن، يجب عليهن إرضاع أبنائهن، سواء كن في عصمة أزواجهن أو مطلقات، كما يقتضي ظاهر الآية، ولا عبرة بمن يرى أن الآية خاصة بالمطلقات، أو أن المتزوجات ذوات الشرف لا يجب عليهن الإرضاع للعرف، لاسيما والإرضاع بمقتضى الآية وسياقها واجب على الأم وحق لها، فإن رضيت أن ترضع ولدها لم يجز للأب أن يسترضع له غيرها، يعزز ذلك أصل الفطرة التي جعلها الله لكل كائن حي يرعى ذريته، وهي أقوى حجية من العرف في هذه الحالة، ولا مبرر من قواعد الاستنباط الأصولي لصرفها عن واجبها وحقها في ذلك إلا لضرورة تقدر بقدرها كمرض أو شح لبن أو إعراض طفلها عن رضاعتها.

ثم حدد تعالى مدة إرضاع الطفل اللائقة بإصلاح حاله وتنميته تنمية طبيعية بقوله: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ِ} ، فجعل الأصل فيها سنتين كاملتين يُسْتوفَى فيهما ما يحتاجه النمو الطبيعي لمستهل الحياة لدى الإنسان، واشترط رضا الطرفين وتشاورهما إن ارتأى أحدهما لمصلحة الطفل أو لظروف الأسرة غير ذلك، كما سيأتي في باقي الآية.

ولئن جعل الشرع مدة السنتين في الرضاع مرنة تبعا للمصلحة واتفاق الأب والأم، فإنه أبقى هذه المدة ثابتة صلبة في مجال الأنساب، بحيث لا ينشأ نسب الرضاعة إلا بما كان في الحولين الأولين من عمر الصبي، لما رواه ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا رضاع إلا ما كان في الحولين) ] [1] [، وما رواه الترمذي صحيحا عن أم سلمة

(1) - لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم ابن جميل وهو ثقة حافظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت