والرشاد والرضا من رب العباد، فإذا واصل التلاوة انحدر إلى ربى مثمرة وسهول نيرة من سور تزيد ما أوجزته الفاتحة وفصلته البقرة وضوحا وشفافية ونورا. وآياتٍ بيناتٍ هن أشدُّ نفعا من الغيث أيْنَ وَقَعَ نَفَع، ومن الشمس إذا أوْفَتْ أحْيَت، وأطيبُ مَنْهلٍ للظِمَاء من زلال الماء، وللمختنقين يلتمسون الحياةَ باستنشاق الهواء.
وهذا ما يجعل القرآن الكريم مرقاةً للإسلام تصورا وعقيدة وشريعة، وبناء تاما متقنا لأمة أريد لها أن تكون شاهدة ورائدة وقائمة بالقسط، ولذلك سمى الرسول عليه الصلاة والسلام سورة البقرة بسنام القرآن أي أعلاه وذروته فقال في ما أخرجه الحاكم في مستدركه على الشيخين بإسناد صحيح: (إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة) ، وهي بتسنمها هذا المرتقى في مجال البناء الحركي للإسلام وأمته بمثابة الجهاد في مجال التضحية والعطاء الإيماني الصرف لنصرة الدين وحماية العرض والأهل، إذ قال عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أيضا في ما رواه أحمد: (ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله) ، وعندما سئل أبو ذر: أيّ الأعمال أفضل؟ قال:"الصلاة عمادُ الإسلام والجهاد سَنامُ العمل".
ذلك أن سورة البقرة لكونها سنام القرآن قد حوت من أصول العقيدة والتشريع وكليات الأحكام الدينية وجهاد البناء والمدافعة بالقول والعمل ومناضلة أعداء الدين كفرةً ومنافقين بالحجة الساطعة والبرهان القاطع، ما يجعل استيعابَها إحاطةً واعية بمنهج الإسلام وأسلوب تربيته للمؤمنين وبنائه للأمة الشاهدة، فكان التحريض على تلاوتها ومدارستها بقوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) ، وعن أبي سعيد الخدري أن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس فسكت فسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه، فلما أخره رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظُّلَّة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدَّث النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير) ، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه ورفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُّلَّة فيها أمثال المصابيح، فخرجْتُ حتى لا أراها، قال: (وتدري ما ذاك؟) قال: لا، قال: (تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم) .
إن مثل سورة البقرة بتسنمها ذروة القرآن مثل الجهاد من الإسلام، لكونه أيضا ذروة للدين، وبدونه تبدو الأمة لا سنام لها، دَكَّاءَ ميسرةً للترويض مهيأةً للركوب، سلسةَ الانقياد، ذيلية تابعة لكل من هش عليها بعصاه، فكان التحريض عليه أيضا قرآنا وسنة بقوله عز وجل: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} البقرة: 154، وبما أخرجه عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن