إن حال كل فسطاط عمراني ومآل كل تجمع بشري في ارتباط وثيق بطبيعة العلاقة برب الفسطاط وخالقه، إن إيمانا وإحسانا فرفاه وسداد أمر وعمران، وإن كفرانا وعصيانا فخراب وذلة وتفرق وخسران، وليس من فلاح لأمة إلا باجتماعها على ما يضمن وحدتها وعزتها وصلاح حالها ومآلها، وهو ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الفسطاط) ، فسمى الجماعة المؤمنة حول قرآنها فسطاطا تشبيها لها بالخيمة الجامعة، فيها أهلُها أسرةً واحدةً متحابة متعاونة مسترشدة.
ولئن كان فسطاط الجماعة المؤمنة هو قرآنها الجامع لأمر حالها ومآلها، فإن للقرآن أيضا فسطاطه الجامع لما جاء به شارحا للفاتحة قبله ومفصِّلا لما تلاه، هذا الفسطاط العظيم والمصر الجامع هو سورة البقرة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمواظبة على تلاوتها فيما رواه مسلم عن أبي أمامة الباهليّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة وتركَها حسرة ولا يستطيعها البَطَلة) ، وكما ورد فيها أيضا: (السورة التى تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة) أي المشتغلون بالباطل.
وهذا سر نزول خواتمها مقرونة بالفاتحة، بواسطة ملكين كريمين وشاهدي عدل أمينين، فيما رواه مسلم والنسائي عن ابن عباس قال: (بيْنَمَا جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلّم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلاَّ اليَوْمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ؛ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِمَ سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إلاَّ أُعْطِيتَهُ) .
ولئن كانت فاتحة الكتاب جامعة لمقاصد القرآن بتقريرها أصول الدين، مبادئَ للألوهية والربوبية ومناهجَ للتعبد، أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا ومبدأ ومعادا، فإن تركيزها وإيجازها وتعقيبها بسورة البقرة المفصلة لمجملها الشارحة لإشاراتها وتصريحاتها، يجعل المتأمل البصير يقف مبهورا أمام عظمة الحكمة الإلهية في التربية والإرشاد، ذلك أن أرقى طرق تعليم الكبار أن يبدأ بتقرير القاعدة المجملة يعقبها التفصيل والتوضيح وضرب المثل، فيقيِّد الإيجازُ مفاصلَ الموضوع ويبَيِّن الإطنابُ جزئياتِه وتفاصيلَ كلياته، ويشرح خفايا إشاراته وتلميحاته، فيتكامل الموجز مع المفصل ويتشرب القلب والذهن مقاصد ما يتلقى وفوائد ما يتزود.
يفتتح المرء القرآن الكريم بأم الكتاب، ثم يتدرج مصعدا في سورة البقرة إلى مشارف الرحمة والمغفرة والعفو والنصر بقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} البقرة 286، فإذا به على قمة شاهقة ومنتجع عرضه السداد