تبدأ معالم الهداية أولا رشدا يأخذ بيد العبد إلى الصواب في أموره، يُقَوِّيه على ما فيه صلاحه، ويُفَتِّره على ما فيه فساده، ويحول بينه وبين هواه، ثم تتجلى الهدايةُ في القلب الذي تزكى وتحلى تسديدا يُقَوِّم إرادته ويُوجِّه عزيمته ويأطُر عقلَه على طلب الغرض الذي من أجله خلق في الدنيا، وعنه يسأل يوم الدين، ولا شك أن هذا المطلوب هو المقصود بقوله تعالى {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ، فإذا ارتقى العبد إلى طلب هذا الصراط المستقيم بصدق وعزيمة وإصرار، تجلت رحمة الله تعالى عليه بالتأييد والتثبيت والعون والصون وختم له بالحسنى.
إن بين الدنيا والآخرة إلى مرضاة الله تعالى طريقا واحدا مستقيما، ينتهي بمن صفت عقيدته وقُبِلَ عمله إلى الخير المطلق، ولا خير مطلقا إلا الجنة، وعن يمين هذا الصراط المستقيم وعن يساره طرق معوجة تركس من سلكها في الشر المطلق، ولا شر مطلقا إلا النار.
وإن من معالم الرشد والتسديد والتأييد والهداية أن يجتمع للعبد عقلٌ وعِلم يثمران فهما ربانيا للحياة الدنيا بصراطها المستقيم الواجبِ اتباعُه، ومتاهاتها المتعرجة المُعْوَجَّة الواجبِ تجنبُها؛ ولذلك يكون دعاء من بلغها من السعداء أن يتجه إلى ربه تعالى متضرعا وقد تخلص من طيش الشباب ورعونته وجهالته: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} النمل 19.
إن الفهم الرباني الذي هو منحة إلهية وثمرة طبيعية للمجاهدة بالعلم والعقل, العلمِ بالقرآن والسنة، والعقلِ المنضبط بالإيمان, هو قاعدة الانطلاق في صراط الله المستقيم, سيرا فيه واتباعا له, وإعراضا عن سبل الشيطان المتعددةِ ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال, سعيا فيها أو وقوفا على أرصفتها.
وغيرُ خفيٍّ عن العقلاء الحكماء أن السير هو تتابع السعي بخطوات متزنة، من نقطة معينة هي الحياة الدنيا إلى نقطة أخرى معلومةٍ ومحددة ومرصودة ومقصودة هي حياةُ الآخرة، وإلا كان مجردَ تحرك عفويٍّ سائبٍ كحركة الأرنب عندما يدهمها الخطر فتنطلق في أي اتجاه قفزا ونطًّا، أو جريا أو تدحرجا أحيانا، حتى إذا ما أرهقتها الحركة العشوائية وقفت وأسلمت أذنيها لمن يطلبها من شياطين الجن والإنس.
هذا الفهم الرباني الذي هو قاعدة الانطلاق الأولى إلى الصراط المستقيم به يتميز الصواب من الخطأ والحق من الباطل، وسبيلُ الرحمن من سبل الشيطان {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} الأنعام 153.
من هنا مُفترَق طريق بين صواب واحد هو الحق من ربك، وبين أخطاءٍ متعددة ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، أخطاءٍ ذاتَ اليمين تحتفظ بالانتساب الظاهر للإسلام ولكنها تخرج عنه من عدة أنفاق، وأخطاءٍ ذاتَ الشمال تقطع صلتها