فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 523

استكبارهم فقال: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} ، أي أن ما يحول بينهم وبين الإيمان ليس إلا لعنة الله التي حلت بهم وأبعدتهم عن الرحمة والخير، عقابا على تمسكهم بالكفر وإصرارهم على الجحود، وجراءتهم على العدوان وقتل الأنبياء والرسل ونقض المواثيق. اللعنة التي أفقدتهم التبصر والفهم وأبعدتهم عن التوفيق والسداد، ومنعتهم الإيمان {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} إذ القلة لغةً تُستعمَل في معنى النفي على لغة قوم من العرب، يقولون: قلما رأيت مثل هذا الرجل، وهم يريدون: ما رأيت مثله، وكما تقول"فلان قليل الحياء"أي عديمه، وإلى ذلك ذهب الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} النمل 62، وقد تكون الآية إشارة إلى قول المنافقين من يهود في قوله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} آل عمران 72، أو إلى إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض كما في قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} . ومجمل المعنى أنهم بادؤوا الله بالإصرار على الكفر والجحود والعصيان والعدوان، فكان جزاؤهم الطرد والحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى.

ولئن آتى عز وجل بني إسرائيل الكتاب وبعث فيهم موسى وقفى على إثره بالرسل فعموا وصموا ثم زاغوا وطغوا فلعنوا، فإن فهم غير المنطوق من المنطوق بسياق الكلام ومقصوده، يقتضي ألا ننسى أن كل أمة تعمل بعمل بني إسرائيل ينالها ما نالهم، وأنه تعالى تحت طائلة نفس التذكير والتحذير، بعث أيضا في المسلمين محمدا صلى الله عليه وسلم، وآتاهم القرآن، وقفى عليه بالعلماء الصادقين في كل عصر، يتدارسونه ويُثَوِّرونه ويهتدون بهديه، والدعاة إلى الله لا ينقطعون ما دام الدين قائمًا، قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة 122، وقال عليه الصلاة والسلام: (يحمل هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عُدُولُه يَنْفون عنه تحريفَ الغالِين وانتحالَ المُبْطلين وتأويلَ الجاهلين) ، وقال: (يبعث الله على رأس كل مائةٍ مَنْ يجدد لهذه الأمة أمرَ دينها) .

وبعد أن بين الوحى نهجهم في التعامل مع كتابهم"التوراة"، أخذ يشرح صنفا آخر من أمراضهم النفسية والخلقية، أنانية وحسدا جعلاهم يتميزون من الغيظ إذ رأوا نعمة الإمامة وكرامة النبوة تساق لغيرهم من بني إسماعيل عليه السلام، ويعرضون عن الإيمان بالحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبشرتهم به التوراة من قبل فعرفوه حق المعرفة وتنكروا له أيما تنكر، قال الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وهو القرآن الكريم، وفي التأكيد بأنه من عند الله حث على وجوب تلقيه بالقبول وحسن الطاعة لأنه صادر من الحكيم الخبير، {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} موافق ومؤيد لما في التوراة من أصول الدين توحيدا خالصا وإن كان مخالفا لأحكامه الشرعية العملية، ومن البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وما كفرهم بالقرآن الكريم إلا كفر بكتابهم نفسه لو كانوا يعقلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت