الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ أَيْ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ تَخَاصَمَا. وَقِيلَ: بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: أَرَادَ بِالْأَخَوَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ ; لِأَنَّ لَفْظَ التَّثْنِيَةِ يَرِدُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: أَصْلِحُوا بَيْنَ كُلِّ أَخَوَيْنِ، فَهُوَ آتٍ عَلَى الْجَمِيعِ. وَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالْجَحْدَرِيُّ وَيَعْقُوبُ (بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ) بِالتَّاءِ عَلَى الْجَمْعِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ (إِخْوَانِكُمْ) الْبَاقُونَ: أَخَوَيْكُمْ بِالْيَاءِ عَلَى التَّثْنِيَةِ.
الثَّالِثَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَغْي لَا يُزِيلُ اسْمَ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُمْ إِخْوَةً مُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ بَاغِينَ. قَالَ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ الْقُدْوَةُ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: لَا، مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا. فَقِيلَ: أَمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: لَا ; لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قِيلَ لَهُ: فَمَا حَالُهُمْ؟ قَالَ إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا" [1] ."
يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [2]
قَوْلُ مُحَمَّدِ رَشِيدِ رِضَا فِي تَفْسِيرِهَا
(1) الجامع لأحكام القرآن ... » سورة الحجرات ... » قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم» الجزء السادس عشر
(2) سورة النساء