فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 454

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ مَعَ الْعَمَلِ فِي الْأَسْبَابِ بِسُنَّتِهِ، أَقُولُ: وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ عَصَمَهُ مِنَ الْغُرُورِ بِاسْتِعْدَادِهِ، وَالرُّكُونِ إِلَى عُدَّتِهِ وَعَتَادِهِ، وَالْبَطَرِ الَّذِي يَصْرِفُهُ عَنِ النَّظَرِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُقَدِّرَهُ قَدْرَهُ وَلَا يُحْكِمَ فِيهِ أَمْرَهُ، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ فِي الْأُمُورِ بِعَيْنِ الْعُجْبِ وَالْغُرُورِ وَاسْتِمَاعُهُ لِأَنْبَائِهَا بِأُذُنِ الْغَفْلَةِ وَالِازْدِرَاءِ وَمُبَاشَرَتُهُ لَهَا بَيَدِ التَّهَاوُنِ يُلْقِيَ السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، وَيَنْظُرُ بِعَيْنِ الْعِبْرَةِ فَبَصَرُهُ حِينَئِذٍ حَدِيدٌ، وَيَبْطِشُ بِيَدِ الْحَزْمِ فَبَطْشُهُ قَوِيٌّ شَدِيدٌ ; ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَعْمَلُ لِلْحَقِّ لَا لِلْبَاطِلِ الَّذِي يُزَيِّنُهُ الْهَوَى وَيُدْلِي بِهِ الْغُرُورُ، فَيَكُونُ مِصْدَاقًا لِلْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ:"فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا".

الْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي وُجُوبِ إِمْضَاءِ الْعَزِيمَةِ الْمُسْتَكْمِلَةِ لِشُرُوطِهَا - وَأَهَمُّهَا فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ حَرْبِيَّةً كَانَتْ أَوْ سِيَاسِيَّةً أَوْ إِدَارِيَّةً الْمُشَاوَرَةُ - وَذَلِكَ أَنَّ نَقْضَ الْعَزِيمَةِ ضَعْفٌ فِي النَّفْسِ وَزِلْزَالٌ فِي الْأَخْلَاقِ لَا يُوثَقُ بِمَنِ اعْتَادَهُ فِي قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ، فَإِذَا كَانَ نَاقِضَ الْعَزِيمَةِ رَئِيسُ حُكُومَةٍ أَوْ قَائِدُ جَيْشٍ كَانَ ظُهُورُ نَقْضِ الْعَزِيمَةِ مِنْهُ نَاقِضًا لِلثِّقَةِ بِحُكُومَتِهِ وَبِجَيْشِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُصْغِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْلِ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ حِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ عَنْ رَأْيِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَكْرَهُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ - وَكَانَ قَدْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ وَخَرَجَ - وَذَلِكَ شُرُوعٌ فِي الْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَتِ الشُّورَى حَقَّهَا - كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ - فَعَلَّمَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ وَقْتًا وَأَنَّ وَقْتَ الْمُشَاوَرَةِ مَتَى انْتَهَى جَاءَ دَوْرُ الْعَمَلِ، وَأَنَّ الرَّئِيسَ إِذَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ تَنْفِيذًا لِلشُّورَى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ عَزِيمَتَهُ وَيُبْطِلَ عَمَلَهُ، وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ أَهْلَ الشُّورَى أَخْطَئُوا الرَّأْيَ - كَمَا كَانَ يَرَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ كَمَا تَقَدَّمَ - وَيُمْكِنُ إِرْجَاعُ ذَلِكَ إِلَى قَاعِدَةِ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَأَيُّ ضَرَرٍ أَشُدُّ مَنْ فَسْخِ الْعَزِيمَةِ وَمَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْفَشَلِ وَإِبْطَالِ الثِّقَةِ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت