قَوْلُهُ: (فَيُقَالُ لَهُ) ، لَمْ يَذْكُرِ الْمَقُولَ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ، وَفِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ:"فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ،"فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا". وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ:"فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ؟". وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ:"فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ؟".
قَوْلُهُ: (أَفَلَا أَكُونُ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ". (عَبْدًا شَكُورًا) ، وَزَادَتْ فِيهِ: فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا.، الْحَدِيثَ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ:"أَفَلَا أَكُونُ"؛ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهِيَ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي، فَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِكَوْنِ التَّهَجُّدِ شُكْرًا، فَكَيْفَ أَتْرُكُهُ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْذُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا سَبَقَ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ. انْتَهَى. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْمَلَالِ؛ لِأَنَّ حَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ، فَكَانَ لَا يَمَلُّ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَمَّا غَيْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا خَشِيَ الْمَلَلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ لِلشُّكْرِ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ، كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَنَّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ تَحَمُّلِهِ الْمَشَقَّةَ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ، وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَفَادَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَرَ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ وَإِيصَالُ النِّعْمَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْئًا، فَيَتَعَيَّنُ كَثْرَةُ الشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَالشُّكْرُ: الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ، وَالْقِيَامُ بِالْخِدْمَةِ، فَمَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سُمِّيَ شَكُورًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ. وَفِيهِ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَلْزَمَ الْأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ لِعِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْلَ"