إِلَيْهِ، فَالتَّارِيخُ يُعَرِّفُ الْإِنْسَانَ بِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَدَيِّنٌ إِنَّ كَانَ لَهُ دِينٌ، أَوْ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ إِنَّ كَانَ مِنْ بَنِي الْإِنْسَانِ، وَمَا أَضَرَّ بِالْفِقْهِ شَيْءٌ كَالْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ ; لِأَنَّنَا لَوْ حَفِظْنَا تَارِيخَ النَّاسِ - وَمِنْهُ عَادَاتُهُمْ وَعُرْفُهُمْ وَمَصَالِحُهُمْ فِي الْبِلَادِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْوَاضِعُونَ لِهَذَا الْفِقْهِ - لَكُنَّا نَعْرِفُ مِنْ أَسْبَابِ خِلَافِهِمْ وَمَدَارِكِ أَقْوَالِهِمْ مَالَا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ، فَمَا كَانَ ذَلِكَ الْخِلَافُ جُزَافًا وَلَا عَبَثًا. أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَضَعَ بَعْدَ مَجِيئِهِ إِلَى مِصْرَ مَذْهَبًا جَدِيدًا غَيْرَ الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامَ لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِغَيْرِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ؟ وَكَذَلِكَ كَانَ مَا خَالَفَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ أُسْتَاذَهُ أَبَا حَنِيفَةَ مِمَّا يَرْجِعُ الْكَثِيرُ مِنْهُ إِلَى مَا اخْتَبَرَهُ مِنْ حَالِ النَّاسِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ وَعُرْفِهِمْ، فَبِاللَّهِ كَيْفَ يَنْتَسِبُ امْرُؤٌ إِلَى إِمَامٍ وَيَشْتَغِلُ بِعِلْمِ مَذْهَبِهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ تَارِيخَهُ وَتَارِيخَ عَصْرِهِ!! وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الْجَاهِلَ بِالتَّارِيخِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَرْدًا مِنَ الْأُمَّةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ الْآمِرَةِ بِالْمَعْرُوفِ النَّاهِيَةِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْجَى قَبُولُهُ.
(5) عِلْمُ النَّفْسِ وَهُوَ يُسَاوِي عِلْمَ التَّارِيخِ فِي الْمَكَانَةِ وَالْفَائِدَةِ، أَيِ الْعِلْمَ الْبَاحِثَ عَنْ قُوَى النَّفْسِ وَتَصَرُّفِهَا فِي عُلُومِهَا وَتَأْثِيرِ عُلُومِهَا فِي أَعْمَالِهَا الْإِرَادِيَّةِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ تَابِعًا لِلْعِلْمِ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ عَمَلَ كَذَا ضَارٌّ وَيَأْتُونَهُ، وَعَمَلَ كَذَا نَافِعٌ وَيَتْرُكُونَهُ (وَالْمُحَرَّمُ شَرْعًا كُلُّهُ ضَارٌّ وَالْحَلَالُ كُلُّهُ نَافِعٌ) فَمَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ؟ وَهَلْ يُحْسِنُ دَعْوَةَ هَؤُلَاءِ إِلَى الْخَيْرِ وَإِقْنَاعَهُمْ بِتَرْكِ الشَّرِّ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِمَاذَا تَرَكُوا الْخَيْرَ وَاقْتَرَفُوا الشَّرَّ؟ فَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ هِيَ مِنْ عِلْمِ النَّفْسِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَكُونُ صِفَةً لِلنَّفْسِ حَاكِمَةً عَلَى إِرَادَتِهَا مُصَرِّفَةً لَهَا فِي أَعْمَالِهَا، وَمِنْهُ مَا هُوَ صُورَةٌ تَعْرِضُ لِلذِّهْنِ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْإِرَادَةِ فَلَا تَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَظْهَرُهُ الْقَوْلَ أَحْيَانًا، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ - عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ - عَلَى حَظٍّ عَظِيمٍ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا بِسَلَامَةِ فِطْرَتِهِمْ وَذَكَاءِ قَرِيحَتِهِمْ وَبِمَا هَدَاهُمُ الْقُرْآنُ بِآيَاتِهِ وَالرَّسُولُ بِبَيَانِهِ وَسِيرَتِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ - وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَسُوهُ بِطَرِيقَةٍ صِنَاعِيَّةٍ - فَقَدْ كَانَ عِلْمُهُمْ بِهِ كَعِلْمِ الْوَاضِعِينَ لَهُ مِنَ الْحُكَمَاءِ أَوْ أَرْسَخُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يُؤْثَرُ عَنْهُمْ مِنَ الْحِكَمِ، وَمَا نَجَحُوا بِهِ فِي الدَّعْوَةِ، وَظَهَرُوا فِي مَوَاطِنِ الْحُجَّةِ، وَعِبَارَةُ