بَحْرِ الْأَنْسَابِ"يُرَاجِعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِأَحْوَالِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَبُطُونِهَا، وَتَارِيخِ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَسَابِقِ أَيَّامِهَا، وَأَخْلَاقِهَا كَالشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ وَالْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَمَكَانِهَا مِنَ الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَمَا كَانَ إِقْدَامُهُ - مَعَ لِينِهِ وَسُهُولَةِ خُلُقِهِ الَّتِي يَعْرِفُهَا لَهُ كُلُّ أَحَدٍ حَتَّى الْإِفْرِنْجِ - عَلَى حَرْبِ أَهْلِ الرِّدَّةِ إِلَّا لِهَذَا الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ بِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَمْ يَهَبْ وَلَمْ يَخَفْ، وَقَدْ خَافَ عُمَرُ وَأَحْجَمَ عَلَى شِدَّتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ; أَيْ خَافَ أَنْ تَضْعُفَ بِمُحَارَبَتِهِمْ شَوْكَةُ الْإِسْلَامِ ... حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ:"وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ"فَهَذِهِ قُوَّةُ الْعِلْمِ لَا قُوَّةُ الْجَهْلِ، وَأَقُولُ: إِنَّ الْعِلْمَ الْخَاصَّ بِحَالِ مَنْ تُوَجَّهُ إِلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا لِلْعِلْمِ بِهَذِهِ الْعُلُومِ فِي نَفْسِهَا، وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ."
(3) مَنَاشِئُ عِلْمِ التَّارِيخِ الْعَامِّ لِيَعْرِفُوا الْفَسَادَ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْعَادَاتِ، فَيَبْنُونَ الدَّعْوَةَ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ، وَيَعْرِفُونَ كَيْفَ تَنْهَضُ الْحُجَّةُ وَيَبْلُغُ الْكَلَامُ غَايَتَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ نَقْلُ هَؤُلَاءِ الْمَدْعُوِّينَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ; وَلِهَذَا كَانَ الْقُرْآنُ مَمْلُوءًا بِعِبَرِ التَّارِيخِ.
(4) عِلْمُ تَقْوِيمِ الْبُلْدَانِ لِيُعِدَّ الدُّعَاةُ لِكُلِّ بِلَادٍ مِنْهَا عُدَّتَهَا إِذَا أَرَادُوا السَّفَرَ إِلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ بِالتَّارِيخِ وَمَا يُسَمَّى الْآنَ بِتَقْوِيمِ الْبُلْدَانِ وَبِالْجُغْرَافِيَا ; وَلِذَلِكَ أَقْدَمُوا عَلَى الْفُتُوحِ وَمُحَارَبَةِ الْأُمَمِ فَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ بِالْعِلْمِ لَا بِالْجَهْلِ، فَلَوْ كَانُوا يَجْهَلُونَ مَسَالِكَ بِلَادِهِمْ وَطُرُقَهَا وَمَوَاقِعَ الْمِيَاهِ وَمَا يَصْلُحُ مَوْقِعًا لِلْقِتَالِ فِيهَا لَهَلَكُوا، وَكَانَ الْجَهْلُ أَوَّلَ أَسْبَابِ هَلَاكِهِمْ، وَمَنْ قَرَأَ مَا حُفِظَ مِنْ خُطَبِهِمْ وَكُتُبِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَتَرَاسَلُونَ بِهَا، وَمُحَاوَرَاتِهِمْ فِي تَدْبِيرِ الْأَعْمَالِ يَظْهَرُ لَهُ ذَلِكَ بِأَجْلَى بَيَانٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَنْفِرُ مِنَ التَّارِيخِ وَتَقْوِيمِ الْبُلْدَانِ الَّذِي هُوَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِهِ، وَمَا أَضَرَّ هَؤُلَاءِ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ!! فَقَدْ قَطَعُوا الصِّلَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ سَلَفِهِمْ حَتَّى صَارَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَ مَبْدَأَ الْإِسْلَامِ وَلَا كَيْفِيَّةَ نَشْأَتِهِ وَلَا كَيْفَ انْتَسَبُوا