فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 454

وَالسَّابِقُ كَالتَّمْهِيدِ وَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمَ وَعِرْضَهُ جُزْءًا مِنْهُ تَلْوِيحًا إِلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ: حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، وَالْمَالُ يُبْذَلُ لِلْعِرْضِ. قَالَ:

أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لَا أُدَنِّسُهُ لَا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمَالِ

وَلِمَا أَنَّ التَّقْوَى تَشُدُّ مِنْ عَقْدِ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ وَتَسْتَوْثِقُ مِنْ عُرَاهَا ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ يَعْنِي: إِنَّكُمْ إِنِ اتَّقَيْتُمْ لَمْ تَحْمِلْكُمُ التَّقْوَى إِلَّا عَلَى التَّوَاصُلِ وَالِائْتِلَافِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى إِمَاطَةِ مَا يَفْرُطُ مِنْهُ، وَأَنَّ مُسْتَقَرَّ التَّقْوَى وَمَكَانَهَا الْمُضْغَةُ الَّتِي إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ قَالَ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا عَدَلَ الرَّاوِي عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ، وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَفَصْلِ الْخِطَابِ الَّذِي خُصَّ بِهِ هَذَا النَّبِيُّ الْمُكَرَّمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى هُنَا كَلَامُ الطِّيبِيِّ قَدْ تَمَّ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنْ زَوَائِدِ فَوَائِدِ شَرْحِهِ الْمُنِيفِ.

مِنْهَا، قَوْلُهُ:"التَّقْوَى هَهُنَا". قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْنَاهُ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوَى فِي صَدْرِي، وَفُرُوعَهَا فِي قُلُوبِ جَمِيعِ الْخَلْقِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ عَيْنِ الْجَمْعِ، وَمِرْآةُ كُشُوفِ الْغَيْبِ، كَمَا قَالَ:"أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ"بَيَّنَ أَنَّ مَنْ زَادَ مَعْرِفَتُهُ زَادَ خَشْيَتُهُ وَتَقْوَاهُ، وَلَيْسَ فِي الْكَوْنَيْنِ أَعْرَفُ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَالَ:"لِكُلِّ شَيْءٍ مَعْدِنٌ وَمَعْدِنُ التَّقْوَى قُلُوبُ الْعَارِفِينَ"; لِأَنَّ الْعَارِفَ غَائِبٌ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، تَائِقٌ إِلَى لِقَائِهِ، هَائِمٌ فِي مَحَبَّتِهِ تَجْرِي عَيْنُ التَّقْوَى مِنْ بِحَارِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ رُوحِهِ إِلَى قَلْبِهِ، وَمِنْ قَلْبِهِ إِلَى قَالَبِهِ، وَسِرُّهُ مَعْدِنُ التَّوْحِيدِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ تَجَلَّى فِيهِ بِنَعْتِ الْقِدَمِ، وَرُوحُهُ مَعْدِنُ الْمَعْرِفَةِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ تَجَلَّى بِوَصْفِ الْبَقَاءِ فِيهَا، وَقَلْبُهُ مَعْدِنُ الْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى ; لِأَنَّهُ تَجَلَّى بِوَصْفِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، فَالتَّوْحِيدُ مِنْ عَيْنِ الْقِدَمِ، وَالْمَعْرِفَةُ مِنْ عَيْنِ الْبَقَاءِ، وَالتَّقْوَى مِنْ عَيْنِ الْكِبْرِيَاءِ، وَقَوْلُهُ: (ثَلَاثُ مِرَارٍ) بِرَاءٍ فِي آخِرِهِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت